قصة الأسلحة السويدية في سورية

: 11/11/12, 1:25 PM
Updated: 11/11/12, 1:25 PM
قصة الأسلحة السويدية في سورية

الكومبس – الصحافة العربية – جريدة الغد
يسابق قطار أوسلو الريح طائراً عبر غابات الصنوبر النرويجية المتجمدة في ظلمة ما قبل انبلاج الفجر، بينما يتكوم الثلج على زاوية نافذة العربة رقم ثلاثة، حيث يجلس المفتش فيسك في اليوم الأخير من "عملية حلب"، وهو يقرأ مذكرات رافائيل دي نوغاليس "جندي محظوظ" طبعة العام 1932 من رواية الجنرال الفنزويلي عن تجربته في أميركا اللاتينية الثورية، وخدمته في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى.

الكومبس – الصحافة العربية – جريدة الغد
يسابق قطار أوسلو الريح طائراً عبر غابات الصنوبر النرويجية المتجمدة في ظلمة ما قبل انبلاج الفجر، بينما يتكوم الثلج على زاوية نافذة العربة رقم ثلاثة، حيث يجلس المفتش فيسك في اليوم الأخير من "عملية حلب"، وهو يقرأ مذكرات رافائيل دي نوغاليس "جندي محظوظ" طبعة العام 1932 من رواية الجنرال الفنزويلي عن تجربته في أميركا اللاتينية الثورية، وخدمته في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى.
وفي الصفحة 294، يلتقي الجنرال بجندي ألماني مُدان في الشرق الأوسط، وهو "ضابط شاب وسيم طويل القامة" والذي كان قد أهان شرفه البروسي بإقامته علاقة غرامية مع فتاة ادعت بأنها كانت في الثامنة عشرة من عمرها، بينما كان عمرها 16 عاماً فقط.
وعلى نحو شديد الغرابة –ولأن الكتب كثيراً ما تضم تلميحات جغرافية غريبة لنا عن أنفسنا- يلتقي الجنرال نوغاليس بهذا الشاب في عز فوضى الجيش الألماني "في وقت ما في شهر آب (أغسطس) من العام 1915، عندما وصلت تلك القوات إلى مدينة حلب بعد قتال مستمر لمدة ستة أشهر ضد الروس والأرمن في القوقاز".
وذلك غريب. لأن المفتش فيسك يحقق في الأحداث التي وقعت في نفس مدينة حلب تلك بعد أكثر من 90 عاماً تلت ذلك، عندما أمر ضابط في الجيش السوري على خط الجبهة في المدينة جنوده -قبل ثلاثة أشهر فقط- بأن يطلعوني على أسلحة استولوا عليها مؤخراً من المقاومة المناهضة لنظام الأسد في البلاد.
وبين القنابل اليدوية والبنادق والمتفجرات، كانت حزمة من البلاستيك تحتوي على ثلاثة من العصي الوردية، والتي بدت شبيهة بأصابع الديناميت، وعلى كل واحد منها كان ليبل يحمل عبارة "هامرغرينز، 434-24 كونغسباكا، السويد".
وكونغسباكا هذه هي بلدة صغيرة تقع جنوبي مدينة غوتنبيرغ السويدية، وهي المكان الذي يهدر فيه قطاري الليلي الآن – ولا بد أن يكون القارئ قد استوعب تماماً السبب الذي جعل مراسل صحيفة الإندبندنت في الشرق الأوسط يسافر الآن على بعد أكثر من 2.000 ميل عن قاعدته في بلاد الشام- ولكن، ومثل كل قصة بوليسية جيدة، فإن هناك دائماً حبكة وانعطافة.
في حالة المفتش المحقق لويس والرقيب المخبر هاثاواي، ستجد دائماً أن الأمور ليست تماماً كما تبدو في ظاهرها. ولذلك كان من المثير شيئاً ما أنني عندما وصلت بسيارة التاكسي التي أستقلها من غوتنبيرغ إلى حافة غابة يعصف بها الجليد المطر المتجمد في كونغسباكا، لاحظت بوابة أمنية من الفولاذ مكتوباً فوقها: "بيروتكنيك هامرغرينز"، والتي يقف وراءها حاجز اسمنتي ضد المتفجرات.
أود إضافة أن هامرغرينز، هي مؤسسة تبيع الألعاب النارية للأطفال. ويشرف مديرها الإداري توماس فيترستروم على هذا القسم منها. وهو رجل أسمر، يرتدي نظارة طبية، عمره 60 سنة، ويعمل منذ 30 سنة مع الشركة التي كان العجوز هامرغرينز قد أسسها في العام 1879. وحدق فيترستروم في صورة منتجه التي أحضرتها من حلب البعيدة، بنظرة لا أستطيع وصفها سوى بأنها ساخرة. "هذه مشاعل تحذيرية"، قال. "لا أستطيع أن أرى حقاً ما يمكن أن يفعله السوريون بها. إننا نبيعها للشرطة السويدية من أجل إبطاء حركة المرور لدى وقوع الحوادث".
الشرطة السويدية؟ هذا كان أقرب قليلاً إلى الوطن بالنسبة للمفتش فيسك (و"فيسك"، بالمناسبة، تعني "السمكة" باللغة السويدية، لأن أجدادي جاءوا بالفعل من الدول الاسكندنافية في العام 1745) – لكن ذلك كان صحيحاً تماماً.
إن السيد فيترستروم يستورد المشاعل من شركة أميركية تدعى "أوريون لمعدات السلامة" في ولاية مين (وهو ما يفسر عبارة "صنع في الولايات المتحدة" التي لاحظتها مطبوعة على الإرسالية في حلب)، ثم يقوم فيترستروم بعد ذلك ببيعها، ليس للشرطة السويدية فقط، وإنما لسيارات الإسعاف التي تتولى أمر حوادث الطرق ليلاً في التندرا الإسكندنافية. كما قامت شركة هامرغرينز أيضاً بتصدير مشاعل للشرطة المجرية. وهي، مثل مصابيح السلامة البريطانية الوامضة لدينا، تمنع سائقي السيارات الأخرى من تعطيل عمل الشرطة والمسعفين على الطرق السريعة.
دون كانتوف، مسؤول قسم المتفجرات في شركة هامرغرينز، وهو رجل نحيل رقيق، دقيق –مثل كل خبراء المتفجرات تقريباً، كما لاحظت- سألني إذا كنت أرغب بمشاهدة عرض لكيفية عمل المشاعل. وهكذا خرجنا متدثرين إلى الجليد في الخارج، وهناك قدح الغطاء على قمة مشعل الإضاءة، فانفجر لهب وردي مذهل، وكثير الإشراق بحيث تمكنت فقط من إلقاء نظرة سريعة ولثانية واحدة قبل أن يعشي الضوء عيني. وأوضح السيد كانتوف: "يستمر هذا لمدة 20 دقيقة، ولا يمكن أن يطفأ بالماء".
كان هذا بلا شك فعالاً على الطرق السويدية التي تغطيها الثلوج. لكن تولدت لدي شكوك أيضاً بأنها ستجعل المكان يضج باللهب في واحد من المباني الخشبية القديمة على خط الجبهة في مدينة حلب اليوم.
ويعتقد السيد كانتوف بأن الشركة باعت 100،000 من هذه مشاعل على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وهي تأتي في علب من 23، تحتوي كل منها على حزمة من ثلاثة، وهي مزيج من كربونات السترونتيوم والكبريت التي تحترق إلى أن تستحيل رماداً –ستحتاج قنبلة محلية الصنع في سورية إلى نترات البوتاسيوم والنفط- على الرغم من أن الجميع في هامرغرينز يتفقون على أن أي مواد كيميائية، إذا ما تم وضعها داخل أنبوب حديدي، فإنها ستكون خطيرة.
ولكن، وبينما كان السيد كانتوف يدرس الصورة من حلب، قال إنه يلاحظ الحزمة البلاستيكية: "لقد توقفنا عن استخدام هذه الحزم البلاستيك منذ سنوات، قبل أن نبيع لهنغاريا". ثم سلم لي صندوقاً مكعباً من الورق المقوى من النوع الذي تستعمله الشركة بعد التحديث في هذه الأيام.
واتضح أنه وراء في العام 1999 -التاريخ المنقوش على المشاعل في حلب- كانت شركة هامرغرينز تبيع مشاعل لشركة في ستوكهولم، والتي كانت تزود بها بدورها، إلى جنب بطانيات وضمادات الطوارئ، كبار شركات صناعة الشاحنات السويدية: سكانيا وفولفو.
وعند هذه النقطة، تذكر المفتش فيسك محاضرة كان قد حضرها في أبوظبي قبل أربع سنوات، والتي تفاخر فيها دبلوماسي سويدي بأن شركة فولفو هي أكبر مصدر للشاحنات إلى سورية! وكانت شركة فولفو قد احتكرت السوق في سورية ما قبل الحرب الأهلية، بطبيعة الحال،ولم يكن هناك أي سبب قانوني يمنع بيع هذه الشاحنات لسورية مع وجود مشاعل "هامرغرينز" على متنها.
هذه هي الحبكة في القصة. كل شيء فوق متنها، كله بيع من أجل السلامة. لكن فكرة تخطر للمفتش فيسك ، "لحظة هاثاواية" حسب سلسلة لويس، هل نسميها: في القطار الليلي عائداً إلى أوسلو؟ إن السويد لم تختبر حرباً منذ العام 1814. ولكن، ألا ينبغي لنا نحن الأوروبيين أن نكون حذرين أكثر قليلاً إزاء ما نقوم بإرساله إلى أجزاء أقل استقراراً من العالم؟ مشاعل أقل، ربما؟ والمزيد من مصابيح السلامة البريطانية القديمة تلك، التي تعمل بالبطارية؟
هكذا، في بيتي على متن القطار المدفأ تدفئة فائقة، ألجأ مرة أخرى إلى جندي الحظ لديّ: الجنرال دي نوغاليس.
تقول المقدمة ناعبة: "راكباً عبر الرمال على راحلته العربية، بدا جندي الحظ الأسمر هذا من جبال الأنديس مثل فارس شهم من الأيام القديمة" والآن، تلك كانت هي الأيام.
روبرت فيسك – (الإندبندت) 4/11/2012
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
The Case of the Swedish weapons in Syria

Alkompis Communication AB 559169-6140 © 2024.