الكومبس ـ صحافة سويدية: نشرت صحيفة أفتونبلادت السويدية، أمس الأحد، مقال رأي للكاتب والصحفي المعروف Jan Guillou يان غِليو بعنوان “لهذا السبب لا أحتفل باتفاق ترامب حول غزة”.
في هذا المقال، يوجّه غِليو نقداً لاذعاً للكيفية التي تناولت بها بعض وسائل الإعلام والسياسيين في السويد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في غزة، ولا سيما صحيفة اكسبريس التي رأت في الاتفاق “انتصاراً لإسرائيل” وهزيمة لحماس.
الكاتب والصحفي يان غِليو، المعروف بمواقفه المناهضة للحروب وبدفاعه الدائم عن القضية الفلسطينية، يبدأ مقاله بالرد على سؤال طرحه رئيس التحرير السياسي في صحيفة إكسبريس: “لماذا لا نرى احتفالات في الشوارع بعد اتفاق غزة؟”
الجواب، كما يقول غِليو، بسيط لكنه مؤلم: لأن ما يُقدَّم اليوم على أنه “اتفاق سلام” جاء بعد إبادة جماعية ممنهجة استمرت لعامين تقريباً، حوّلت غزة إلى ركام وقتلت عشرات الآلاف من المدنيين.
ويشير الكاتب إلى أن اليمين السويدي، الموالي لإسرائيل، يرى فيما حدث “نصراً على الإرهاب”، بينما يرى “الآخرون” أي أولئك الذين يقفون إلى جانب الفلسطينيين، أن ما جرى لم يكن حربًا، بل مجزرة ضد سكان مدنيين عُزّل. ويذكّر غِليو بأن مفهوم “الحرب” يفترض وجود طرفين متكافئين في القوة، بينما ما جرى في غزة كان “قتلًا أحادي الجانب بأسلحة حديثة ضد شعب محاصر”
“ترامب كان قادراً على وقف الإبادة منذ البداية”
يُذكّر غِليو قرّاءه بأن دونالد ترامب، الذي يحتفي به بعض الصحفيين السويديين اليوم بوصفه “صانع السلام” كان طوال فترة رئاسته قادرًا على وقف المذبحة متى شاء، لكنه لم يفعل. بل ترك إسرائيل تواصل تدميرها لغزة حتى “سُوّيت المدينة بالأرض” وسقط نحو 70 ألف قتيل، وأُصيب أو أُعاق نحو ربع مليون إنسان.
من هذا المنطلق، يرى الكاتب أن الحديث عن ترامب كمرشح محتمل لجائزة نوبل للسلام ليس سوى سخرية سوداء من الضحايا أنفسهم، ومن كل مما زال يؤمن بأن العدالة يمكن أن تُبنى على حساب حياة الأبرياء.
“الثمن الباهظ” بالنسبة لإسرائيل ليس المسؤولية
في واحدة من أكثر فقرات المقال قسوة وسخرية، ينتقد غِليو منطق كاتب إكسبريس الذي كتب أن “النصر الإسرائيلي كان له ثمن باهظ، إذ أضرّ بمكانة إسرائيل في العالم”
يردّ غِليو على ذلك بالقول إن هذا التفكير “يُسقط آخر ما تبقى من إنسانية في الخطاب الغربي” لأن الثمن الحقيقي للحرب لم يكن في صورة إسرائيل أو علاقاتها الدبلوماسية، بل في الدماء والدمار والقبور الجماعية التي خلّفتها في غزة.
ويصف الكاتب هذا النوع من الخطاب بأنه انحدار أخلاقي خطير يجعل من المجازر مجرد “أداة علاقات عامة” حيث يُقاس النجاح أو الفشل بعدد المقالات الإيجابية في الصحافة الغربية، لا بعدد الأطفال القتلى أو المدن المدمرة.
“نحن لا نرقص في الشوارع”
يستعيد غِليو هنا العبارة التي استخدمها عنوان مقاله ليؤكد أن الفلسطينيين وأنصارهم في العالم لا يجدون أي سبب للاحتفال. يقول “نحن لا نرقص في الشوارع لأن ما حدث لم يكن سلامًا، بل هدنة هشة مشروطة بإذلال طرف مهزوم وتجريده من إنسانيته”
ويشرح أن ما يُسمى “اتفاق ترامب” يمنح إسرائيل الحق في استئناف القتل والدمار متى شاءت، بحجة أن حماس لم تلتزم ببنود الاتفاق. ومن بين هذه البنود ما هو مستحيل التنفيذ، مثل تسليم جميع بقايا جثث الأسرى الإسرائيليين أو الاستسلام الكامل ونزع السلاح.
ويرى غِليو أن هذه البنود ليست سوى ذريعة جاهزة تتيح لإسرائيل العودة إلى الحرب متى أرادت، إذا لم تجد مبررًا آخر.
” أزمة ضمير حقيقية في الغرب “
في ختام مقاله، يحذّر غِليو من محاولة تقديم ما جرى في غزة على أنه نهاية للصراع أو بداية “سلام دائم” بل يؤكد أن الإبادة الأخيرة ليست سوى فصل جديد، وربما الأكثر مأساوية، في تاريخ طويل من الاضطهاد والاحتلال والتطهير العرقي.
ويعبّر الكاتب عن أسفه لأن جزءًا من الرأي العام السويدي، بما في ذلك بعض الصحف المؤثرة، اختار أن يغضّ الطرف عن الجرائم الجماعية ويرى في القتلة “صانعي سلام” وفي الضحايا “متطرفين”
ويصف هذا الموقف بأنه أزمة ضمير حقيقية في الغرب، حيث فقدت المفاهيم الإنسانية معناها حين باتت حياة الفلسطينيين لا تُحسب ضمن المعايير الأخلاقية والسياسية. ويختم غِليو مقاله بعبارة تلخّص فكرته:
“ما يدّعيه ترامب بأنه سلام، ليس سوى هدنة فوق أنقاض جثث لم تُدفن بعد. لذلك لا نحتفل، ولا نرقص، ولا نصدّق.”