الكومبس – خاص: عندما وصل أحمد كالانديغاري إلى السويد في يوليو 2011، كان في الـ17 من عمره، وقد أمضى معظم حياته متنقلاً بين دول عدة بعد أن غادر أفغانستان طفلاً. اليوم، وبعد 14 عاماً، يشق طريقه نحو أن يصبح باحث دكتوراه في مجال السرطان في جامعة أوبسالا، ويعمل إلى جانب عدد من أبرز الباحثين في السويد.

يقول أحمد للكومبس “كان الأمر جنونياً لا يُصدّق. عندما جئت إلى السويد كنت شبه أمي. لم أكن قد ذهبت إلى المدرسة كثيراً. ولم أكن أملك أساساً تعليمياً قوياً”.

وُلد أحمد في ريف كابول، وغادر بلاده في سن مبكرة. عاش مع أسرته لاجئاً بلا أوراق في إيران وباكستان، حيث اضطر إلى العمل منذ طفولته.

يضيف أحمد “كان علينا أن نعمل. أول وظيفة لي كانت حياكة السجاد، مثل السجاد الفارسي الجميل الذي نراه هنا”. كما عمل في إعادة تدوير مواد البناء، وخياطاً لفترة قصيرة. يقول “كنت أتمنى كل يوم أن أتمكن من القراءة والدراسة”.

شهد العام 2011 تصاعداً حاداً في أعمال العنف في أفغانستان، في ظل استمرار الحرب بين القوات الدولية وحركة طالبان. ووفق تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان (يوناما) للعام 2011، قُتل 3021 مدنياً خلال ذلك العام، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ بدء توثيق الضحايا بعد عام 2001. ونقلت رويترز آنذاك عن مسؤولين أمميين أن البلاد كانت تمرّ بإحدى أكثر مراحلها دموية وعدم استقرار، ما دفع آلاف العائلات إلى النزوح أو مغادرة البلاد.

“بدأتُ التعليم من الصفر تقريباً”

يصف أحمد عامه الأول في السويد بأنه كان الأصعب في حياته. ويقول “كان الأمر قاسياً من حيث المناخ والثقافة، لكن التحدي الأكبر كان اللغة. لم أكن أتحدث السويدية أو الإنجليزية”.

ووفق إحصاءات مصلحة الهجرة السويدية للعام 2011، قدم إلى السويد 1060 قاصراً أفغانياً غير مصحوبين بذويهم من بين آلاف طالبي اللجوء ذلك العام في موجة من الطلبات التي جاءت نتيجة تصاعد العنف وعدم الاستقرار في أفغانستان.

قبل وصوله إلى السويد، لم يكن أحمد قد أمضى سوى نحو عام ونصف في مدرسة نظامية. كثير من أقرانه كانوا قد أكملوا المرحلة الإعدادية على الأقل، بينما كان هو يبدأ من الصفر تقريباً.

وفي المرحلة الثانوية، اضطر أحمد إلى العمل بالتوازي مع الدراسة لإعالة نفسه، ولإرسال دعم لعائلته في الخارج. يقول “كان عليّ أن أقاتل وحدي مقارنة بمن وُلدوا هنا أو لديهم عائلات في السويد”.

وعندما بدأ دراسته الجامعية، برز تحدٍ جديد تمثل في اللغة الإنجليزية، إذ كانت تمثل الجزء الأكبر من التعليم. كما واجه صعوبة في استخدام الكمبيوتر، إذ لم يكن قد جلس خلف شاشة كمبيوتر قبل قدومه إلى السويد. غير أن الأمور بدأت تتحسن لغوياً في منتصف أو نهاية الفصل الدراسي الرابع تقريباً.

“كنت أحلم بالرداء الأبيض”

يقول أحمد إنه لم يكن يتخيل أن يصبح باحثاً. “كنت أرى أصحاب المعاطف البيضاء وأتساءل: هل يمكن أن يأتي يوم أرتدي فيه هذا المعطف وأجلس لأجري أبحاثاً؟”.

يعمل أحمد اليوم في مشروع متقدم في أبحاث السرطان في جامعة أوبسالا . ويقول “نقوم بتعديل جينات الجهاز المناعي لدى مرضى السرطان حتى يتمكن من مهاجمة الخلايا السرطانية”.

واختار أحمد التخصص في أبحاث السرطان لأسباب شخصية ومهنية، إذ فقد عدداً من أقاربه بسبب المرض، كما شاهد معاناة المصابين عندما كان يعمل في رعاية المسنين. يقول “رأيت عن قرب مدى قسوة هذا المرض”. ويضيف “عندما ترى أن البحث يعطي نتائج، تحصل على دافع لتجلس وتعمل بجد أكبر”.

“حينها بدأت أشعر بأني سويدي”

يلفت أحمد إلى أنه تعرّض لمواقف يعتبرها “عنصرية” و”تمييزية”. ويقول “أعتقد بأن معظم من يحملون أسماء مثلي تعرّضوا لشكل من أشكال التمييز”.

ويقول إنه كان يحاول التعامل مع المواقف اللفظية بالحوار، أما الحالات الأخطر فكان يسعى إلى تصعيدها أو التنبيه إليها، وأحياناً كان يختار تجاهلها.

ويشير إلى أنه بدأ يشعر بالانتماء إلى المجتمع السويدي عندما التحق بالمدرسة الثانوية وبدأ العمل في رعاية المسنين، رغم تعرضه لمواقف سلبية. ويؤكد أن وجود معلمين وزملاء داعمين كان عاملاً مهماً في مسيرته.

لكنه يضيف أن إحساسه بـ”السويدية” تراجع في السنوات الأخيرة بسبب المناخ السياسي الحالي ونتائج الانتخابات الأخيرة.

“هناك سبب لعبور البحر”

وعند سؤاله عن نصيحته للشباب الوافدين حديثاً، استعاد أحمد ما كان يقوله للقاصرين غير المصحوبين الذين عمل معهم بين 2016 و2018، بالقول “هناك سبب لأنك عبرت البحر المتوسط ووصلت إلى هنا. استخدم كل يوم وكل ساعة لتجعل نفسك وعائلتك فخورين. أنت وحدك من يستطيع أن يوصلك إلى أبعد مدى أو يمنعك من ذلك”.

أحمد الخضري