Lazyload image ...
2014-05-02

الكومبس – خاص: ترك "كوستي مقديس" مقعد دراسته في مدينة حلب السورية، وودّع والديه وإخوته في شهر تشرين الثاني 2012، لينطلق في رحلة لم يدرك فيها حجم المتاعب التي تنتظره.

الكومبس – خاص: ترك "كوستي مقديس" مقعد دراسته في مدينة حلب السورية، وودّع والديه وإخوته في شهر تشرين الثاني 2012، لينطلق في رحلة لم يدرك فيها حجم المتاعب التي تنتظره.

تعرّض كوستي (16 عاماً) إلى محاولات خطف فاشلة في مدينته، تحت تهديد المسدس، أدت جراء خوفه إلى إصابته بعقدة في اللسان ما تزال بعض آثارها في كلامه.

متمسك بصخرة لـ 12 ساعة

يقول كوستي للـكومبس: "وصلت إلى تركيا بمساعدة مهربين، والتقيت في اسطنبول بأبناء عمي، كي ننطلق في اليوم التالي إلى اليونان بحراً، فانطلقنا في رحلة استغرقت 4 ساعات، رُمي فيها ابن عمي (26 عاماً) في البحر ليبقى مع 4 أشخاص متمسكين بصخرة ريثما تم انقاذهم في اليوم التالي بالصدفة عن طريق صيادين، وبعد أن قبضت علينا الشرطة في إحدى الجزر، أرسلونا إلى أثينا، دون أن أعرف حجم المشاكل التي تنتظرني هناك".

يتابع كوستي: "طلب مني والدي أن أسكن لدى أحد المهربين، ريثما يسفرني، فوضع أبي المال عند شخص ثالث هرّب سابقاً عائلة صديقه، ويعرفه المهرب أيضاً، لكن بعد شهرين من الوعود اليومية، بدأ المهرب بالمماطلة، ثم طلب مني ترك المنزل، قائلاً بأنه سيعيد المال لاحقاً، لكني عندما خرجت علمت بأن أبناء عمي وصلوا إلى السويد، فبقيت وحيداً في الشارع!".

بعد جهود مكثفة عثر كوستي على مهرب آخر كان يملك الكثير من البيوت يؤجرها للناس، وعده بأن يهتم به ريثما يستعيد المال.

"المال ذهب ولن يعود"

يقول كوستي: "كنت أنام في منزله الكبير داخل كيس للنوم بدون وسادة، وكنت أشتري صباحاً حاجيات للعائلات الموجودة في المنزل، وأساعد بالتنظيف، فاستغلوا أن الشرطة لا توقفني لصغر سني، فأوكلوني بنقل جوازات سفر مزورة ومبالغ مالية كبيرة تصل إلى 5000 يورو من منزل إلى آخر، بالإضافة إلى المشروبات الكحولية، وشراء الدخان المهرّب، حتى أرسلوا معي مرة قطعة من الحشيش، بالإضافة إلى أنه كان يطلب مني جلب أثاث قديمة مرمية عند الحاويات، لنقلها إلى المنزل وتوزيعها على المستأجرين، لكن كنت أتعب كثيراً".

وأضاف: "اتصل والدي بعد شهرين وقال بأن المال ذهب ولن يعود، وفي كل مرة يسألني عن حالتي كنت أقول بأني بخير كي لا يقلق، فرميت رقم هاتفي المحمول واختفيت من المنطقة".

ضربوني وكسروا يدي

يقول كوستي: "في أحد الأيام كنت أسير في الشارع، فاعترضني 6 شباب عنصريين بأعمار 19-20 عاماً، ورموني أرضاً بعد أن علموا بأني من سوريا، وضربني أحدهم بعصى على يدي فانكسرت، ونُقلت إلى المستشفى وبقيت يدي أكثر من شهر ونصف بالجبس، ولا تزال تؤلمني حتى الآن".

بعدها قام أحد الذين تعرف عليهم بنقله إلى مركز لرعاية الأطفال المهاجرين يتبع للحكومة اليونانية والكنيسة، بقي فيه 3 أشهر.

تابع كوستي: "عشت هناك أجمل أيامي في اليونان، حيث كنت أنام على وسادة وفي سرير أستطيع التقلب، ما لم أتمكن من فعله في كيس النوم، وعاملوني بشكل جيد، وذهبت إلى مدرسة، حتى تعلمت اللغة إلى حد معين".

وأضاف: "ثم اتصل والدي بي وقال بأنه تمكن من جمع 4500 يورو لتسفيري، فوضعتها لدى مكتب آخر معروف جداً وقام بتهريب الكثيرين".

غادر كوستي المركز الذي كان فيه، وانطلق إلى مدينة Gomenizza التي تبعد مسافة 9 ساعات عن أثينا، كي يسافر إلى إيطاليا بالباخرة، فأمسكته الشرطة، وعاد إلى أثينا، لكن لم يعد باستطاعته العودة إلى المركز لأنه أصبح هارباً، فذهب إلى المكتب ليستعيد المال، حتى واجه مماطلة أخرى.

تشردت ونمت على المقاعد وفي الحافلات

يقول كوستي: "لم أعد أعرف أين أنام، صرت أذهب إلى كنائس تساعد اللاجئين وتقدم الطعام، وكنت أنام على المقاعد في فترة توزيع الطعام، لعدم وجود أمكنة، فأصبحت متشرداً أجلس في الحافلات حتى الصباح وبعد أن أصاب بالإنهاك أعود لتناول الفطور في الكنيسة وأنام على المقاعد".

بقي كوستي يطالب المكتب بالمال دون جدوى، وكان الجميع يخافهم بسبب نفوذهم، حتى أغلقوه واختفوا، بعدها توجه كوستي إلى شريك المهرب، الذي عرض عليه العودة إلى غومينيزا كي يسافر، لكن بطريقة خطيرة تتمثل بالصعود إلى الشاحنة دون معرفة السائق، فوافق كوستي لأنه لا يملك حلاً آخر، خاصة بعد استفسار والده اليومي عن عدم سفره حتى الآن رغم وجود المال.

يقول كوستي: "سافرت إلى المدينة ووصلت إلى جبل بالقرب من الميناء، ووجدت الكثير من الناس والمهربين، وكنت أعيش على قطعة خبز واحدة في اليوم أشتريها بـ 90 سنت، بالإضافة إلى جلبي الحاجيات لباقي الناس بسبب خوفهم من النزول. وكانت الناس تجول في الجبل ريثما تغيب الشمس، حينها يبدأ وقت التهريب ليتجمع الناس بالقرب من الشاحنات المنتظرة دخول ساحة الميناء قبل أن تنقلها الباخرات إلى إيطاليا".

يُكمل: "لم يرسلني المهربين لأني لا أملك المال، ولم يدفع لهم صاحب المكتب، فكانوا يرسلون من يدفع فقط، فبقيت في الجبل البارد مدة 15 يوماً دون استحمام، وأنام في كيس للنوم عثرت عليه من بقايا الذين سبقوني".

رحلوني وعدت مجدداً

يتابع: "تشققت ثيابي من الأشجار والأشواك أثناء الركض والهروب، واتسخت كثيراً، وعانيت من تأمين مياه الشرب، حتى أمسكتني الشرطة واحتجزتني في زنزانة السيارة لصباح اليوم التالي، ولأني لم أملك المال جمعوا لي 10 يورو من باقي المحتجزين، كي يرحلوني إلى مكان آخر، فأرسلوني إلى جزيرة تعرفت فيها على آخرين، جمعوا لي المال مجدداً وعدت إلى غومينيزا".

بعد عودة كوستي، راقب الميناء فوجد شاطئاً بقربه سياج يطل على الساحة التي تتجمع فيها الشاحنات، فقفز عبر السياج وجرحت يداه، لكنه تمكن في النهاية من الدخول ظُهراً دون أن يراه أحد، ليختبئ في مركب صغير حتى الحادية عشرة ليلاً، دون أن يتحرك خوفاً من أن تمسكه الشرطة.

كوستي 2.jpg

بقيت متشنجاً بالشاحنة لـ 11 ساعة

يتابع كوستي: "في الساعة 11 ليلاً بدأت الشاحنات بالتجمع، وعرفت أن الباخرة ستمشي في تمام الساعة 12، فقفزت إلى الساحة، ودخلت تحت إحدى الشاحنات متذكراً ما علمونا إياه المهربين حول كيفية التعلق في أرضية الشاحنة والتثبت ريثما تدخل السفينة، لكني لم أرَ مثلما وصفوا لي، فعثرت على قاعدة تثبيت عجلات الاحتياط من الجهة الأمامية للشاحنة، وتشبثت فيها بصعوبة إلى أن دخلنا الباخرة، فأصبت بألم في قدمي لا أزال أعاني منه حتى الآن".

بقي كوستي متشجناً مكانه حتى الساعة 11 قبل الظهر، ومتسخاً بالشحم من رأسه حتى أخمص قدميه، وخائفاً من أن تعثر عليه دوريات الشرطة بكلابها البوليسية داخل الباخرة.

بعد صمت… ابتسم كوستي قائلاً: "وأخيراً وصلت إلى ايطاليا، وشاهدت لوحات السيارات الإيطالية، وبعد أن توقفت الشاحنة، زحفت وهربت طالباً من الناس أن أجري مكالمة هاتفية، دون أن يقبل أحد، حتى عثرت على شاب يتكلم العربية فأعطاني خبزاً ولبناً وأكلت بنهم، وقال لي بأني في مدينة "باري" فاتصلت بابن عمي الذي وصل السويد، وتفاجئ من وصولي إلى إيطاليا، فأرسل لي المال، وطلب مني السفر إلى مدينة ميلانو".

اختلاف التوقيت أضاع يومي

يتابع كوستي: "أضعت الكثير من القطارات في المحطة حتى حل الليل دون أعرف لماذا! إلى أن أدركت أن ساعتي تسير بتوقيت اليونان، فضبطها وصعدت القطار المتوجه إلى ميلانو، وبعد طردي من قبل المفتشين وركوبي القطار مرة أخرى في المحطات المختلفة، وصلت صباحاً بعد 9 ساعات إلى ميلانو، حيث التقيت بشاب يعرفه ابن عمي، اشترى لي طعاماً وثياباً، وأعطاني صباح اليوم التالي هوية مزورة، فمشيت في المطار مثلما شرح لي، ولم يكشفي أحد، ودخلت وراء الناس".

يتابع كوستي بسعادة: "طارت الطائرة! ووصلت إلى بروكسل صباحاً، وانتظرت طائرة ستوكهولم وأنا سعيد جداً، فكان هناك الكثير من الطعام في المطار بالإضافة إلى الدفئ".

وصل كوستي إلى السويد شهر آذار الماضي، بعد مغامرة قد يرويها يوماً ما لأحفاده.

وعندما سألتُه هل أنت خائف الآن؟ أجاب: "لا".

نادر عازر

nader@alkompis.com

Related Posts