كل الحروب قذرة ولا تخلو أي حرب من عمليات قتل واغتصاب ونهب وسلب وفظائع بحق المدنيين
كل الحروب قذرة ولا تخلو أي حرب من عمليات قتل واغتصاب ونهب وسلب وفظائع بحق المدنيين
2022-04-25

الكومبس – دولية: قتل وجرح وتشويه وبتر لأعضاء الجسم واغتصاب المدنيين، فظائع يجري ارتكابها في حرب أوكرانيا ونسمع بها يومياً. لكن لماذا وكيف يمكن للإنسان أن يرتكب مثل هذه الفظائع؟ في هذا التقرير نحاول توضيح الأمر والإجابة عن السؤال.

الحرب بشعة وقذرة. والتصور بأنه من الممكن، باستخدام أسلحة حديثة، شن حرب عبر غزو بسيط، لا يقتل فيه مدنيون تقريبا، وإنما تدمر خلاله الأهداف العسكرية فقط، هو تصور خاطئ. ونحن، على الأقل، لا نعرف أن هناك حربا بهذا الشكل. لكنْ هل يجب أن تكون الحرب همجية وأن تحتقر الناس إلى هذه الدرجة، كما هو الحال في حرب أوكرانيا؟ وهل يجب أن يطلق الجنود النار عمدا على النساء والأطفال وأن يقوموا باغتصاب النساء؟

نعم! للأسف تبدو الإجابة قاسية، لكنها صحيحة. “لم أر طرفا في حرب لم يرتكب فظائع، حتى ولو كان متحليا وموجها بأعلى القيم الأخلاقية”، يقول البروفيسور توماس إلبرت، أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب السلوكي بجامعة كونستانتس الألمانية، والذي يجري أيضا أبحاثا حول تبعات الضغوط الناجمة عن الصدمات النفسية وخاصة تبعات العنف المنظم. وقد أجرى دراسات ميدانية في مناطق الصراع مثل أفغانستان والصومال وأوغندا.

لماذا يقوم الإنسان في الحرب بأعمال يصعب فهمها؟ يمكن شرح ذلك من خلال ثلاثة أمثلة تالية، بعضها مزعج إلى حد ما.

“الاستمتاع بالقتل”

هناك مقطع فيديو تم التقاطه بواسطة كاميرا طائرة مسيرة (درونز) وانتشر في أنحاء العالم، ويظهر المقطع رتل دبابات في منطقة خالية من الناس بمدينة بوتشا الأوكرانية، ثم يظهر شخص يجر دراجة هوائية عند تقاطع مروري بعيدا عن الدبابات، فيقوم الجنود بإطلاق النار عليه مرارا حتى يسقط على الأرض قتيلا. لماذا تم قتل هذا المدني؟ البروفيسور توماس إلبرت يوضح ذلك كما يلي: أولا، يمكن أن يكون الجنود في الدبابات قد شعروا بتهديد ما. إذ يمكن أن يخرج هذا الشخص قاذفة مضادة للدروع ويرمي إحدى الدبابات.

ثانيا، وهذه الإجابة يصعب على الكثيرين فهمها: “إنه الاستمتاع بإطلاق النار على الآخر”، يقول إلبرت. فبالنسبة للجنود وتصوراتهم فإنهم لا يطلقون النار على أناس آخرين، وإنما على حشرات، حسب آلة الدعاية التي غرست ذلك فيهم. بالنسبة للمقاتلين أيضا يكون الأمر ممتعا عند الرمي وإصابة الهدف بدقة. في الدبابة دائما يكون هناك أكثر من شخص، والنتيجة هي أن يقول أحدهم: “هل رأيت كيف أصبتُ الهدف؟ رائع!”. والمستهدف يكون على الأرجح هو “النيشان” (الهدف المصوب عليه) وليس الإنسان . “وكل من يلعب ألعاب كومبيوتر تنافسية، يعرف أن الأمر ممتع”. وقال مرتكبو جرائم إبادة جماعية في رواندا للبروفيسور توماس إلبرت إن هذا يصبح تسلية شعبية! وقال جندي أمريكي إن الأمر مثل تعاطي جرعة هيرويين حيث يشعر المرء بعدها بنوع من “نشوة الدم”!

“الاغتصاب كأنّه حق للمنتصر!”

عمليات الاغتصاب في الحروب ليست حالات فردية، في إحدى الحالات تم قتل رجل واغتصاب زوجته، وفيما بعد كان على المرأة أن تدفن زوجها في الحديقة. لماذا يقوم الإنسان بهكذا أفعال؟ فالمدنيون لم يهاجموا أحدا ولم يشكلوا أي تهديد.

في أغلب الأحيان يقال: إن الاغتصاب يتم توظيفه كسلاح في الحرب. ربما يكون الأمر كذلك في 10 بالمائة فقط من الحالات، يقول البروفيسور توماس إلبرت. فأن يعطي القادة العسكريون أوامر بالاغتصاب لإجبار العدو على الاستسلام، أمر نادر. وقد سأل إلبرت جنودا من مختلف القارات عن سبب اغتصابهم للنساء والفتيات، أغلبهم قالوا إن القادة قد تغاضوا أو تسامحوا مع ذلك لكنهم لم يعطوا أوامر بالاغتصاب.

بعد العمليات القتالية يحين وقت المتعة، حسب رأيهم (الجنود). “فالاغتصاب كأنّه حق للمنتصر”، يقول إلبرت موضحا دوافع الجنود. ويقول الجنود الشباب “نفضل أن تكون لدينا علاقة حب، لكن هذا غير متوفر. لذلك أخذنا ما أمكننا أخذه”. ويرى إلبرت، أن الاغتصاب في الحرب لا علاقة له بالأوامر أو القسوة، وإنما له علاقة أكثر بالغريزة والشهوة.

لكن باحثين يرون الأمر بشكل مختلف: الاغتصاب عنف جنسي، وليس لعبة جنس. فمثلا منظمة “مديكا مونديالي/ Medica Mondiale ” المدافعة عن حقوق المرأة تساعد النساء اللواتي يعانين من صدمات نفسية نتيجة حرب يوغسلافيا السابقة في التسعينيات. وقد كان دافع طبيبة الأمراض النسائية، مونيكا هاوزر، لتأسيس هذه المنظمة هو عمليات الاغتصاب الجماعية التي تمت في حرب البوسنة عام 1992.

في الحرب تفاقمت بضراوة عمليات التمييز الموجود أصلا، المتعلقة بجنس الشخص (ذكر أم أنثى)، تقول المنظمة على موقعها الالكتروني وتضيف: “في الحروب يظهر الرجال بشكل متزايد حقهم في تملك الجنس المفترض أنه الأضعف”. والاغتصاب هو “رمز لإذلال الخصم الذي لا يستطيع حماية نسائه”.

مثال من حرب أوكرانيا: أم وابنتها يعتقد أنه تم اغتصابهما معا، وكان عليهما أن تشاهدا عمليات اغتصاب النساء الأخريات. ثم يبدأ التعذيب، يوضح إلبرت ويقول “يعذب المرء عدوه بأبشع الأشكال، وإنه أمر لا يصدق ما يقوم به الناس، إذ ليست هناك حدود”. فهناك استمتاع بتعذيب الآخرين، وهكذا ينفث الجناة كرههم وحقدهم وغضبهم ليستمتعوا بمعاناة الضحايا.

السلب والنهب “رغبة الصياد في الصيد”

قام الجنود الروس بعمليات سلب ونهب واسعة في أوكرانيا، سواء من بيوت المواطنين أو من المحلات التجارية. فتسجيلات كاميرات المراقبة تظهر كيف يقوم الجنود بتغليف المسروقات وإرسالها كطرود إلى عائلاتهم في روسيا. ربما تكون هذه الأفعال “جرائم صغيرة” لكن هذه أيضا تظهر أن الأخلاق والحقوق والقوانين لا مكان لها وتصبح غير سارية المفعول.

هنا يتحدث أستاذ علم النفس توماس إلبرت، عن عنف النهب. فالغسالة أو الهاتف المسروق، ينظر إليهما كدافع ومكافأة، في حين أن هذا الفعل في الأحوال الطبيعية معاقب، وبالتالي لا توجد هنا عقوبة أيضا. على كل فإن هدف روسيا هو الاستيلاء على منطقة دونباس بمواردها الطبيعية وصناعتها الثقيلة، وبالتالي يمكن للمرء أن يأخذ غسالة أيضا. ويرى إلبرت دافعا آخر للنهب والسلب، وهو رغبة الصياد في الصيد، ليس بالضرورة الفريسة بحد ذاتها، وإنما لمجرد الصيد.

هل يمكن منع الفظائع؟

في النهاية يبقى السؤال، فيما إذا كانت هناك إمكانية لمنع وقوع الفظائع في الحروب. يلخص إلبرت إجابته بالقول “إنه أمر فظيع ويجب عدم التسامح معه، لكنها الحرب. الأفضل لو لم تكن هناك حروب. وكيف يمكننا تقييد الحرب؟ يمكننا الحد منها عن طريق المعلومات”.

وهنا يأتي دور الصحافيين، لكن المشكلة هي: كيف يمكن نقل المعلومات والإيضاحات وإيصالها للجمهور المستهدف؟

ماركو مولر

ينشر بالتعاون بين مؤسسة الكومبس الإعلامية وDW

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر