Lazyload image ...
2012-07-21

لم تعد مدينة دمشق على طبيعتها فأصوات المدافع وتبادل إطلاق النار في أكثر من منطقة من العاصمة السورية حلت بديلاً كريهاً مرعباً عن أصوات البلابل وصغار الدوري التي تمتزج بأصوات الباعة المتجولين ينادون على ما لديهم من رزق تحتاجه ربات المنازل.

لم تعد مدينة دمشق على طبيعتها فأصوات المدافع وتبادل إطلاق النار في أكثر من منطقة من العاصمة السورية حلت بديلاً كريهاً مرعباً عن أصوات البلابل وصغار الدوري التي تمتزج بأصوات الباعة المتجولين ينادون على ما لديهم من رزق تحتاجه ربات المنازل.

اليوم لا بلابل ولا باعة متجولين ولا ربات منازل تخرجن للتبضع فالوضع بلغ حالة غير مسبوقة من التوتر مع استمرار المواجهات بين القوات النظامية و"الجيش الحر" في عدة أحياة دمشقية ضمن ما أطلقت عليه المعارضة تسمية "بركان دمشق"، وما تقول السلطات الرسمية إنها عمليات خاصة لتطهير أحياء العاصمة من السلاح والقضاء على المسلحين الذين "يروعون الأهالي"..

"لم يتعرض حينا لأي إطلاق نار من أي نوع من أنواع الأسلحة، ولم يضايقنا أي طرف كان، إلا أن أصوات التفجيرات والقصف المدفعي وتبادل إطلاق النار بأنواع ثقيلة من الرشاشات خلقت لدينا حالة ذعر لا أظن أنني أملك كلمات قادرة على وصفها، ووصف ما كنت أنا وإخوتي، وكل سكان الحي، نشعر بها ليلتها". هذا ما قالته سيدرا التي قررت مع أسرتها مغادرة الحي الذي تعيش فيه بالقرب من منطقة المزة في العاصمة دمشق بحثاً عن حي آخر تمنت أن لا تسمع فيه تلك الأصوات الرهيبة، التي شهدتها ليلة الخميس، أو مساء اليوم الذي أودى فيه تفجير بحياة عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين السوريين الأعضاء في خلية الأزمة.

تقول سيدرا: "بعد العصر سمعنا أصوات تفجيرات متقطعة تخللها تبادل إطلاق لنار في واحدة من المناطق القريبة من حينا. لم نعر اهتماماُ بتلك الأصوات، سيما وأنها أخذت تتكرر كثيراً في الآونة الأخيرة. إطلاق نار وأصوات انفجارات قد تستمر عشر دقائق أو ربع ساعة لكن سرعان ما تتوقف وتعود الحياة إلى طبيعتها، بما في ذلك حركة النقل وعمل المحال التجارية وغيره. إلا أن ما بدأ مع حلول أول الظلام مساء يوم الأربعاء (الثامن عشر من الشهر الجاري) لم يكن عادياً، أو لم يكن يشبه تلك الأصوات التي اعتدناها. أصوات تبادل إطلاق النار ليلتها كانت تصدر من عدة مناطق مجاورة لنا، وسمعنا أصوات رشاشات من عيار ثقيل، بدا حينا وكأنه في قلب زلزال أو بركان، لاسيما وأن أصوات القصف المدفعي كانت قريبة جداً من الحي، نسمع إطلاق القذيفة ومن ثم الانفجار الذي يصدر حين بلوغها الهدف في مناطق البساتين المجاورة لحينا والتي تطل عليها أحياء أخرى كبيرة تنشط فيها المعارضة المسلحة".

وكي لا تسمع تلك الأصوات من جديد، ولأنها تتمنى أن تكون الأيام القادمة على سورية أكثر أمناً وهدوءاً لتمحي الرعب الذي عشعش في روحها جراء ما عاشته تلك الليلة، قررت سيدرا، وحالها حال عائلات دمشقية كثيرة، ولأنها ذاقت الموت ألف مرة تلك الليلة، كما تقول، قررت سيدرا الذهاب مع أسرتها إلى مكان آخر علها تجد فيه بعض الهدوء يُنسيها ما عاشته من مأساة في ليلتها. بعد مضي عدة أيام على انتقالها إلى حي آخر على أطراف مدينة دمشق لا يشهد أية مواجهات ما زالت سيدرا تحت تأثير الصدمة وما زال الخوف واضحاً في عينيها "لأن الأصوات لم تختف وما زلت أسمعها لكن ليست قريبة وليست بتلك الاستمرارية التي كانت فيها في تلك الليلة، حيث استمرت الليلة التي أسميها ليلة القيامة حتى الصبح، وما أن هدأت الأصوات وأخذت الفواصل الزمنية بين خبوتها واشتعالها من جديد قمنا بحمل الضروري من حاجاتنا الشخصية البسيطة وغادرنا تلك المنطقة".

سيدرا فتاة لا تفقه شيئاً في السياسة ولا يهمها معرفة لماذا يجري كل هذا في بلدها، جل همها أن يتوقف هذا العنف وتستغرب كيف يمكن للسوري، أي كان موقفه السياسي ولأي سبب أو ثمن كان، أن يفعل كل هذا في سورية التي كانت تُصنف ضمن أكثر الدول أمناً واستقراراً. وتتفق معها جارتها رغداء وهي أم لأربعة أطفال أكبرهم عادل يبلغ أربعة عشر عاماً من العمر. تقول رغداء "كنا دوماً نحل خلافاتنا بشتى السبل لكن دون قتل ودون عنف كما يجري في بعض المجتمعات. نحن مجتمع مسالم، ولا أدري أي لعنة هذه التي وقعت على رؤوسنا". وعبرت رغداء عن ثقتها بأنها سحابة وستمضي وستعود سورية أفضل مما كانت عليه.

"لا أظن أن أحداً يشعر بما يجري هنا، يجتمعون ويقررون لكنهم كلهم معاً ما زالوا عاجزين عن إيقاف العنف. تمنيت لو كانوا موجودين (لم توضح رغداء من تقصد، لكن واضح أنها تتحدث عن القوى الإقليمية والدولية) في تلك اللحظة التي كانت فيها أختي الصغرى تغلق أذنيها بمحارم ورقية وبأصابعها تضغط على هذه المحارم وتبكي بصوت يدمي له القلب. كانت متقوقعة على نفسها في الممر الصغير بين الحمام وغرف النوم، فهي قد سمعت نصيحة بالتزام مثل هذه الأماكن في حالات القصف"….لم تتابع رغداء الحديث لأنها أخذت هي الأخرى تبكي وهي تسرد مأساة ليلة مضت

وتشهد العاصمة السورية دمشق مواجهات بين القوات النظامية و"الجيش الحر" خلال الأيام الأربعة الأخيرة، تنتقل هذه المواجهات من حي لآخر في قلب العاصمة وفي مناطق حساسة منها ما تسبب بإغلاق أعداد كبيرة من الأسواق والمحال التجارية وشل حركة السير والمارة، وبقائها ضمن حدودها الدنيا في المناطق المجاورة لمناطق المواجهات المسلحة.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد وصف ما تشهده دمشق منذ عملية تفجير مقر الأمن القومي في دمشق بـ "مواجهات حاسمة" ما زالت مستمرة وإن هدأت حدتها وكثافتها، إلا أنها ما زالت تسبب القلق والرعب لسكان دمشق كما ولكثيرين في سورية مثل سيدرا الذين يأملون أن ينتهي هذا المشهد المأساوي بأسرع وقت.

من دمشق: شعيب الحسن

أنباء موسكو

21 يوليو 2012

Related Posts