Lazyload image ...
2012-05-23

قلنا في مقالنا السابق (لماذا ننادي بإصلاح التعليم الديني؟) أن من أهم الأهداف التي يحققها التعليم التنويري، تدريس مادة «حقوق الإنسان» لتحرير الوعي الإسلامي، وتعميره بالقيم الإنسانية الكونية، حتى تكون ذهنية مسلم الغد، وقيمه، متطابقة مع ذهنية وقيم معاصريه.

قلنا في مقالنا السابق (لماذا ننادي بإصلاح التعليم الديني؟) أن من أهم الأهداف التي يحققها التعليم التنويري، تدريس مادة «حقوق الإنسان» لتحرير الوعي الإسلامي، وتعميره بالقيم الإنسانية الكونية، حتى تكون ذهنية مسلم الغد، وقيمه، متطابقة مع ذهنية وقيم معاصريه.

كما أن مكافحة الموضوعين المركزيين في التعليم الديني الظلامي، اللذين جعلا من الولاء الحصري للأمة الإسلامية، والعودة إلى الخلافة الإسلامية، وتكفير الوطن والدولة – الأمة، واجباً دينياً من الأهداف الرئيسية للتعليم التنويري وإصلاح التعليم الديني.

هل التعليم الديني الظلامي وراء انتشار ظاهرة الإرهاب؟

لذا، يحسن التركيز على الوطن الحديث، والدولة الأمة، كما فعل الطهطاوي عندما استخدم مصطلح « الأمة المصرية ». وحسبنا إلقاء نظرة على سجل من خططوا للعمليات الانتحارية، أو شاركوا فيها، ليتضح أنهم جاهدوا في أفغانستان، ثم في البوسنة، ثم في الشيشان، ثم في نيويورك، وواشنطن، وأخيراً في الرياض، والخُبر، والدار البيضاء. وفي الواقع، أن هؤلاء كانوا «منطقيين» مع المخيال الجهادي العتيق، الذي رعاه فيهم التعليم الظلامي، ومع التضامن الديني التلقائي.

لماذا ضرورة تدريس «الإسلام وأصول الحكم»؟

إن تدريس كتاب الشيخ الأزهري علي عبـد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» ضروري، للشفاء من الحنين إلى الخلافة ومخيالها الجهادي. وبدلاً من الوحدة الإسلامية/السياسية، المستحيلة الآن، يجب أن يقع التركيز على إقامة مناطق تبادل حر، ومشاريع بنية تحتية مشتركة، تمهيداً لسوق عربية مشتركة، والاندماج في الشراكة المتوسطية. فلا شيء أنجع في مكافحة المهام الوهمية من استحضار المهام الحقيقية، التي غيبتها المهام الوهمية.

ومن هنا، فإن أهمية إصلاح التعليم الديني، وإصلاح التعليم العربي بشكل عام، تكمن في أن ما يحتاجه سكان العالم العربي، هو مدرسة معاصرة لعصرها، تقوم على انقاض المدرسة الماضوية، التي أعلنت إفلاسها. والتأكيد على أن مهام المدرسة المعاصرة، ينحصر في تخريج عمال الغد، ومواطني الغد، بدلاً من تخريج العاطلين، وقادة الميليشيات الطائفية، وذلك عبر دمقرطة التعليم، بتمكين كل الأطفال من الدراسة، وبتحديث المؤسسة المدرسية، حتى تؤهلهم للعمل بوسائل انتاج محكمة وسريعة التقدم، ولم يعد ممكناً التعامل معها، إلا من قبل التقنيين، والمهندسين الاكفاء!

ما السبيل للقضاء على البطالة؟

باتت الضرورات الاقتصادية الآن، تتطلب من كل أمة إعادة هيكلة مؤسستها التعليمية لتخريج عمال الغد، الذين يلبّون حاجة اقتصادها، ومجتمعها. إن تقصير الأمة في انجاز هذه الأولوية، هو المسؤول عن تهميش الأجيال الصاعدة، وانتشار البطالة، وضيق فرص العمل، ودفعها إلى الاحتجاج العنيف، فيما بعد.

فعمال الغد، هم أيضاً مواطنو الغد، إذا نجحت المدرسة في توعيتهم بقيم المواطنة؛ والتصالح المزدوج مع الآخر، ومع العصر.

ما معنى التعليم الديني التنويري ؟

ترددت في هذا المقال، وفي مقالات سابقة لنا، هنا في «الوطن»، عبارة «التعليم الديني التنويري».

فماذا نعني بـ «التعليم الديني التنويري»؟

وهل يكون هذا التعليم، بديلاً لما هو سائد الآن؟!

لنعترف، أن التعليم الديني الحالي في معظمه، وفي معظم البلدان العربية، ظلامي. ونحن نستخدم هنا كلمة «ظلامي»، بالمعنى الذي استخدمته «فلسفة الأنوار» في القرن الثامن عشر.

فكيف استخدمت هذه الفلسفة، مفهوم «ظلامي»؟

إن «الظلامي» في «فلسفة الأنوار»، تعني مواجهة التعصب بأنوار العقل. ومواجهة تقاليد الأسلاف، والأحكام المسبقة، والخرافات الرائجة بأنوار هذا العقل. وباختصار الرد على التقليد بالتجديد، والاتباع بالإبداع. والرد على التكفير بالتفكير، وعلى القدامة بالحداثة.. الخ.

أثر التعليم الظلامي على مشاريع التنمية

إن التعليم الديني التقليدي السائد، ببرامجه القروسطية، ومناهجه الماضوية، وكادره التعليمي المُفتَقِر للتكوين الحديث، غدا عائقاً لتحديث التنمية، وتنفيذ خططها الطموحة في البلدان المعنية. بينما كان من المفترض، أن يكون التعليم أحد روافع التحديث الأساسية، بل أن التعليم العصري اليوم، هو «الطريق الملكي»، لكسب رهان التنمية. لأن التنافس في عصر تسارع التاريخ؛ أي العلم والتكنولوجيا، يدور بين السريع والبطيء. والتعليم الحديث بالمعايير الدولية، هو الكفيل بتلبية حاجة المجتمع والاقتصاد إلى الكوادر الماهرة، والنخب الحية. أما التعليم التقليدي السائد، فيقدم لمجتمعاتنا عاطلين، ومهووسين، بماضيهم، على حساب حاضرهم، ومستقبلهم. وهذا يتطلب وبإلحاح، إصلاحه وترشيد أعداد المنخرطين فيه، لتفادي بطالة خريجيه، ذات العواقب الاجتماعية، والاقتصادية.

مشروع «التعليم التنويري» البديل

ما هو «التعليم التنويري»؟

إن مفتاح الإجابة على هذا السؤال تكمن في تعريف الفيلسوف الألماني كانط لمعنى «فلسفة الأنوار».

فما هو هذا التعريف؟

يقول كانط: إن «فلسفة الأنوار» تعني بكل بساطة:

«خروج الإنسان من سن القصور العقلي»؛ أي من الأحكام المسبقة، والتعصب، والخرافة. والدخول في العقلانية، والتسامح، والأخوة والقيم الإنسانية. وباختصار اكتساب الإنسان القدرة على التفكير بنفسه، لا بأسلافه. والقدرة على استخدام البرهان. وعدم ادعاء العصمة من الخطأ. لأن الخطأ هو بالضبط الطريق إلى الحقيقة العلمية، التي هي كما يُعرّفها فيلسوف العلوم باشلار: « خطأ تمَّ تصحيحه ».

والعقل هو الوحيد القادر على إصلاح أخطائه.

ومن هنا، فإن مخاطر التعليم الديني، تكمن في منطلقاته، التي تختلف اختلافاً كلياً مع منطلقات التعليم التنويري.

فإذا كان التعليم الظلامي ينطلق من مُسلمة، أن المرأة والعقل البشري قاصران أبديان، فإن التعليم التنويري ينطلق من فرضية أن الإنسان وعقله غير كاملين، ولكنهما قابلان لكمال لا يكتمل أبداً.

«ايجابيات» وسلبيات التعليم الظلامي

صحيح أن التعليم الديني، يمكن مستقبلاً أن يخدم التيار الديني/السياسي، بأن يزيد من عدد جمهوره ومؤيديه ومريديه خاصة في المجتمعات الفقيرة والتي ترتفع فيها نسبة الأميّة – كمصر مثلاً – لكسب مزيد من الانتصارات السياسية مستقبلاً. وربما كان هذا، هو الجانب الإيجابي الوحيد. ولكن ماذا عن السلبيات الكثيرة، وعلى رأسها دمار الهيكل التعليمي، وبالتالي تعطيل خطط التنمية، التي لن تجد الكفاءات اللازمة لتنفيذ خططها مستقبلاً. وفي ذلك الفشل الأعظم.

د.شاكر النابلسي

عن "الوطن" القطرية