الكومبس – خاص: تتجه السويد نحو توسيع غير مسبوق في عدد أماكن السجون والاحتجاز، في ظل إعلان الحكومة عن إصلاحات جنائية تُتوقع أن تزيد عدد سنوات السجن إلى 16 ألف سنة إضافية سنوياً، بتكلفة تُقدر بـ16 مليار كرون.

هذه السياسة أثارت نقاشاً حاداً حول مدى فاعلية العقوبات الصارمة في الحد من الجريمة، خاصة بين الأطفال والشباب.

في الوقت ذاته، تثير أبحاث البريطانية فرانسيس كروك، الحاصلة على جائزة ستوكهولم في علم الجريمة لعام 2025، تساؤلات مهمة عن جدوى زيادة العقوبات، وتركيزها على نهج وقائي يقوم على تقليل الاحتكاك بين الشباب والشرطة.

وتُعتبرُ السيدة كروك، المديرة التنفيذية السابقة لمؤسسة Howard League for Penal Reform البريطانية، أن أحد أهم إنجازاتها كان قد خفض أعداد الأطفال الذين يدخلون النظام القضائي عبر سياسة تقليل الاحتكاك مع الشرطة.

و في مقابلة لها مع الإذاعة السويدية، قالت:

“بمجرد أن يتواصل الأطفال ويصطدموا مع الشرطة، يصبح الأمر أسوأ، لا أفضل، لان الجريمة لا تنتهي ولكنها تنتقل من مكان الى آخر”.

منهج كروك الذي وصفته بـ”لا تفعلوا شيئاً” إزاء المخالفات الطفيفة، استغرق سنوات من الجهد لتطبيقه، ونجح في خفض أعداد الأحداث المحتجزين في بريطانيا بما يقارب 80 في المائة.

توسع كبير في عدد السجون

في المقابل، أعلنت إدارة السجون السويدية عن خطط لزيادة أماكن الاحتجاز من حوالي 11 ألف إلى 29 ألف بحلول عام 2034، نتيجة لزيادة الأحكام القضائية ومدة السجن، فضلاً عن الضغط المتزايد على السجون الحالية. كما استأجرت السويد مؤخراً أماكن احتجاز في آيسلندا.

هذا التوسع يطرح تساؤلات حول جدواه من حيث التكلفة، وجودة إعادة التأهيل، وإحترام حقوق الإنسان.

الكومبس تحدثت مع القائد الوطني للشرطة السويدية المكلف بتطوير القدرات الوقائية يوهن فوشبيري حيثُ أوضح لنا أن التدخل المبكر مطلوب، لكن ليس بمعناه العقابي:

وقال:

“يجب أن نكون واضحين: التدخل المبكر لا يعني أن نُدخل الطفل إلى مؤسسة أو أن نعاقبه. المقصود هو أن يتدخل أحد البالغين عندما يبدأ الطفل في إظهار سلوك خاطئ، سواء كان هذا الشخص شرطيا أو جارا أو معلما أو أحد أفراد العائلة. المهم أن يشعر الطفل أن سلوكه مرفوض”.

وشدد فوشبيري على أنّ الشرطة لا تملك صلاحيات واسعة للتعامل مع من هم دون سن الـ18، بل أن دورها الأساسي هو المراقبة والنقل.

وتابع:

“دورنا ليس تقديم العلاج أو التدخل العلاجي. نحن نتحرك في الميدان، نرى ما يحدث، وننقل المعلومات إلى من يملك الأدوات، كالخدمات الاجتماعية والمدارس”.

نموذج “سلم الخطر”

يستخدم جهاز الشرطة السويدي نموذجا يُعرف بـ”سلم الخطر” أو “risktrappan” لتصنيف الأطفال والمراهقين حسب درجة تعرضهم للخطر. ويشرحُ فوشبيري:

“نعمل على تحديد الأطفال الذين يعيشون في بيئات خطرة، مثل الجريمة أو الإدمان أو التهرب من المدرسة. ثم نحاول إشراك كل من المدرسة، الأهل، الجمعيات، وحتى بعض الشركات في العمل معهم”.

وأضاف:

“الأمر ليس نفسه لطفل يتسكع مع أعضاء في عصابة، وآخر يعيش في بيت مضطرب. المقاربات يجب أن تختلف. لكن الأساس هو العمل الجماعي”.

دعم لأبحاث فرانسيس كروك

في هذا السياق، علّق فوشبيري على فوز الباحثة البريطانية فرانسيس كروك بجائزة ستوكهولم في علم الجريمة لهذا العام، مشيدا بأبحاثها التي تؤكد على أهمية التفاعل الإنساني والمجتمعي بدلاً من العقوبات.

“أبحاثها مهمة جدا، لأنها تطرح السؤال الأساسي: كيف يجب أن نتفاعل كمجتمع؟ ما هي المنهجيات التي تحقق أفضل النتائج؟ أنا أؤمن بأن لدينا الكثير لنتعلمه من هذه التجربة البريطانية”.

وهو يرى أن عدد الأطفال المتورطين في الجريمة قد انخفض، لكن طبيعة الجرائم أصبحت أكثر خطورة وقال:

“السويد أصبحت بارزة دولياً في هذا السياق. هذه ليست ظاهرة عادية ونحن نرى عدداً أقل من الأطفال الذين يرتكبون جرائم، لكن أولئك، الذين يرتكبون الجرائم تكون خطيرة، مثل إطلاق النار، تفجيرات، عنف شديد. هؤلاء ما زالوا أطفالًا، لكنهم قادرون على تنفيذ أعمال خطيرة جدا”.

المؤسسات لا تمنع ارتكاب الجريمة

و رداً على سؤالنا حول فاعلية إيداع الأطفال في مؤسسات مغلقة مثل SIS أو HVB، أجاب فوشبيري بوضوح:

“الإحصائيات واضحة. نسب العودة إلى الجريمة بين من يتم إيداعهم في مؤسسات مرتفعة. وهذا ليس سرا. لكن هذه ليست مسؤوليتنا نحن في الشرطة. هناك جهات مثل إدارة المؤسسات الحكومية، الخدمات الاجتماعية، ومصلحة السجون مسؤولة عن هذا”.

فوشبيري شدد أيضاً على أهمية بناء الثقة بين الشرطة وسكان المناطق المهمشة وقال:

“نحن بحاجة إلى ثقة الناس بنا، وببعضهم البعض. بدون ثقة لا يمكننا تنفيذ مهامنا. هذا ضروري لبناء مجتمع آمن”.

وأشار إلى استطلاع أجرته نقابة الشرطة مؤخراً في أسبوع يرفا:

“النتائج أظهرت أن الثقة بالشرطة في ارتفاع. وهذا أمر مشجع. لكن لا يجب أن نرتكن إلى ذلك. لا بد أن نستمر في بناء الجسور”.

وأضاف:

“أنا أؤمن بعمق أن الوقاية أكثر فاعلية من العقوبة. من الأفضل أن نمنع الجريمة من الحدوث، بدلاً من معاقبة من ارتكبها. ولهذا نحتاج إلى أن تقوم جميع الجهات بدورها – المدرسة، العائلة، الأندية، الخدمات الاجتماعية، والشرطة. الجميع”.

في ظل الجدل المتصاعد حول كيفية التعامل مع الأطفال والشباب في عالم الجريمة، تفتح هذه التصريحات الباب أمام نقاش أعمق حول دور الدولة والمجتمع في حماية الجيل القادم.

سنا الجزائري