Lazyload image ...
2012-05-22

يتأهب المصريون للتصويت غداً في انتخابات الرئاسة كنتيجة مباشرة لانتفاضة 25 يناير 2011 المجيدة، التي ألغت ممارسة الاستفتاء على شخص الرئيس القابض فعلاً على مقاليد السلطة، وفتحت الطريق أمام انتخابات تعددية يشارك فيها مرشحون من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية.

يتأهب المصريون للتصويت غداً في انتخابات الرئاسة كنتيجة مباشرة لانتفاضة 25 يناير 2011 المجيدة، التي ألغت ممارسة الاستفتاء على شخص الرئيس القابض فعلاً على مقاليد السلطة، وفتحت الطريق أمام انتخابات تعددية يشارك فيها مرشحون من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية. غداً تتمظهر ثمرة من ثمار الانتفاضة المجيدة والمغدورة في آن معاً، حيث يذهب المصريون – أياً كان مرشحهم – للتصويت ضد ممارسات النظام السابق وضد محاولاته لتوريث السلطة وتمسكاً بحقهم الطبيعي في اختبار رئيسهم، وهو حق أصيل وثابت غاب طيلة السنوات الثلاثين الماضية خصوصاً، والستين عاماً السابقة عموماً. لا يعرف المرشحون والمقترعون نتيجة انتخابات الغد مسبقاً، وهي حقيقة تبعث على التفاؤل والأمل. وبالرغم من تلك الحقيقة الفائقة الأهمية، إلا أن الفرص بين المرشحين لانتخابات الرئاسة المصرية ليست متكافئة لاعتبارات عدة. أول هذه الاعتبارات أن السياق العام للانتخابات لا يمكن فصله عن السياق العام لأداء وأفكار «المجلس العسكري الأعلى»، الذي يدير البلاد منذ تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك. وثانيها أن القدرات المالية للمرشحين الرئاسيين غير متكافئة، بما يعني قدرة بعضهم على استخدام المال السياسي لتعزيز وضعه الانتخابي، في مقابل البعض الآخر الذي لا يملك الإمكانات ذاتها. وثالث الاعتبارات المؤثرة في عدم التكافؤ هي الإعلام المصري، وخصوصاً القنوات الفضائية والصحف «المستقلة»، والتي تنحاز بوضوح إلى المرشحين المرتبطين بالنظام السابق، على خلفية ارتباط هذه الوسائل الإعلامية بالمال السياسي الإقليمي. وربما كان السببان الثاني والثالث لعدم التكافؤ، أي المال السياسي والإعلام، هما أشد الأسلحة الانتخابية فتكاً وأمضاها تأثيراً.

تبدو حيرة المصريين واضحة في تحديد المرشح الذين سيعطونه أصواتهم، حيث يدخل انتخابات غد حوالي أحد عشر مرشحاً، بدون لا شمس ولا قمر كشعار انتخابي! ولكنها حيرة حديثي العهد بالشفافية والديموقراطية، والتي تشير إلى جوانب إيجابية أكثر من سلبية في الواقع. في هذا السياق تشير استطلاعات الرأي المختلفة إلى أن حوالي ثلث المصريين لم يحسموا أمرهم بعد في المرشح الذين سيعطونه صوتهم، وهو ما يجعل باب المفاجآت مفتوحاً على مصراعيه حتى اللحظة الأخيرة. اليوم وأمس وغداً ربما كانت الأيام الثلاثة الأكثر أهمية في السباق الرئاسي، لأن الصراع على ثلث الأصوات التي لم تحسم أمرها بعد سيعني حسم الصراع على المنافسة، في ضوء تقدم خمسة مرشحين في استطلاعات الرأي بفوارق ليست كبيرة عن بعضهم البعض، وهم: أحمد شفيق – آخر رئيس وزراء في عصر مبارك – والذي تقدم بوضوح خلال الأسبوعين الماضيين بمؤازرة ومواكبة واضحة من الإعلام «المستقل»، وعمرو موسى، وعبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي ومحمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي السائدة الآن في مصر لا تتوافق مع ما استقرت عليه استطلاعات الرأي، من حيث الاستقلالية واعتماد الوسائل الحديثة في تقصي الآراء والصدقية بين الرأي العام. فحتى اللحظة لا مركز استطلاع رأي واحداً في مصر، يمكن وصفه بالمهنية أو التخصصية، إذ أظهرت انتخابات البرلمان السابقة الفجوة الهائلة بين توقعات هذه المراكز «المستقلة» قبل الانتخابات والنتائج بعدها، وهو ما يعني بوضوح أن ذلك النوع من الاستطلاعات لا يعدو أكثر من وسيلة لتجيير أصوات المصريين لمصلحة أطراف انتخابية بعينها.

يظهر واضحاً في انتخابات غد، أن المرشحين المحسوبين على الاتجاهات الفكرية والأيديولوجية المختلفة لا يخوضون الانتخابات على قاعدة من «الانسجام» الفكري والأيديولوجي، بحيث يتوافق كل اتجاه سياسي على مرشح واحد في مقابل الاتجاهات الأخرى، بل يخوضون الانتخابات ضد بعضهم البعض على خلفيات متنوعة: حزبية وشخصية. هناك مرشحان من ضمن «الخمسة الكبار» ارتبطا لفترات تاريخية سابقة بالنظام السابق (أحمد شفيق وعمرو موسى)، وهناك ثلاثة مرشحين ينتمون للإسلام السياسي (محمد مرسي وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمد سليم العوا)، إلى جانب أربعة مرشحين لليسار (حمدين صباحي وخالد علي وأبو العز الحريري وهشام البسطويسي)، فضلاً عن ضباط سابقين في أجهزة الدولة لا حظوظ فعلية لهما (حسام خير الله – المخابرات، ومحمود حسام – الشرطة). يسود غموض واضح عن ماهية المؤسسات والأجنحة في الدولة المصرية التي تدعم كلاً من أحمد شفيق وعمرو موسى، وازداد الغموض غموضاً في الأسبوع الماضي مع التقدم الإعلامي الواضح الذي حققه أحمد شفيق. بالمقابل تبدو الحالة أقل غموضاً في معسكر الإسلاميين، حيث يتقدم بوضوح عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يحظى بدعم اتجاهات فكرية متباينة وليست إسلامية حصراً (قسم مهم من السلفيين وغالبية شباب الإخوان وشطر من الليبراليين وغالبية اليسار التروتسكي). ولم يستطع التنظيم الحديدي للإخوان أن يدفع بمرشحه محمد مرسي إلى أحد الأماكن الثلاثة الأولى حتى الآن، ويبدو أنه سيكون خارج جولة الإعادة، التي ستجرى الشهر المقبل بين مرشحين اثنين حصلا على أعلى الأصوات في الجولة الأولى، إذا لم يتمكن مرشح واحد من الحصول على أصوات النصف زائداً واحداً من المقترعين.

ربما كان أبو الفتوح بجاذبيته لأطياف واسعة من المصريين عموماً وشباب الإخوان خصوصاً، سبباً في عدم تقدم منافسه الإخواني محمد مرسي، ولكن السبب الأكبر يعود إلى نفور قطاع واسع من المصريين من محاولات الإخوان احتكار كل المناصب في البلد. ودفع ذلك قريحة المصريين المحبة للفكاهة إلى التندر على محاولات الاحتكار الإخوانية بالقول: الإخوان يستعدون للتقدم بمرشح على مقعد بابا الكنيسة الأرثوذكسية الشاغر بوفاة البابا الراحل شنودة الثالث! يأتي محمد سليم العوا خارج الخمسة الكبار والثالث بوضوح في الترتيب بين المرشحين الإسلاميين، على الرغم من أنه ربما الأكثر تبحراً في الفقه والفكر الإسلامي، إلا أنه يفتقر إلى التنظيم السياسي الداعم والقاعدة الشعبية المؤيدة. ويتكرر المشهد ذاته بين مرشحي اليسار، إذ يتقدم حمدين صباحي بوضوح على كل مرشحي اليسار، حائزاً تأييد قطاعات واسعة ومؤثرة في الرأي العام من مفكرين ومثقفين وفنانين، إلا أن أياً من مرشحي اليسار لم ينسحب من السباق مع ذلك لمصلحة صباحي، توحيداً لجبهة اليسار الفكرية ومنعاً لتفتت الأصوات. يمكن القول إن احتمالية فوز مرشح بالانتخابات من الجولة الأولى يبدو أمراً مستبعداً، في ضوء عدد المرشحين الكبير والفوارق الطفيفة نسبياً بينهم مع عدم الثقة في نتائج استطلاعات الرأي. لذلك يتوقع أن يستمر موعد مصر مع التاريخ حتى الشهر المقبل مع جولة إعادة تحسم السباق الانتخابي بين المرشحين اللذين يحصلان على أعلى الأصوات.

ستكون جولة للإعادة بين شفيق وموسى مخيبة للآمال، مثلما ستكون جولة للإعادة بين صباحي وأبو الفتوح عاكسة لمصر الجديدة وقيمها، ولكن يبدو أن الاحتمال الأكثر توقعاً، حتى كتابة السطور، سيكون جولة للإعادة بين أي من شفيق وموسى في مواجهة أي من صباحي وأبو الفتوح. سيؤشر انتخاب الرئيس إلى سياسة مصر الداخلية والإقليمية والخارجية الجديدة، إذ يتوقع أن تشهد إعادة تموضع في حالة فوز أي من شفيق أو موسى، وإعادة تركيب وتغيير جدي في حال فوز أي من صباحي وأبو الفتوح. ويعني ذلك أن المصريين لن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع لتفضيل مرشح على آخر لأسباب شخصية، بل لتفضيل سياسات داخلية وإقليمية على غيرها.

مصر على موعد مع التاريخ الذي يعرفها جيداً وتعرفه، فغداً موعد مصر مع الانتخابات الرئاسية الأولى في التاريخ العربي القديم والحديث. كل الأمل أن يخذل المصريون استطلاعات الرأي الملغمة برائحة المصالح والفساد، وأن يزيحوا ركام النظام السابق ليفتحوا لأنفسهم ولأشقائهم العرب طريقاً جديداً من الحرية والعدل والكرامة. كل الأمل أن يكون غداً موعداً للتاريخ مع مصر التي تتمرد على مواقع التبعية والذيلية، مصر الرافعة أسقفها الإقليمية والدولية والفارضة واقعاً عربياً جديداً. ساعتها سيكون موعد مصر التالي مع الحق، الذي سيدور معها كيف دارت.. وإن غداً لناظره قريب.

مصطفى اللباد

عن "السفير" اللبنانية