الكومبس – دولية: فتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جبهة جديدة ضد وسائل الإعلام، مهددًا بمقاضاة هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” ومطالبًا بتعويض مالي ضخم قدره مليار دولار، بسبب ما وصفه بـ”تحريف متعمد” لخطاب ألقاه قبل أحداث اقتحام الكونغرس الأمريكي في 6 يناير 2021.

وجاء التهديد عقب تقرير نشرته صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية كشف عن دمج مقاطع من خطاب ترامب في برنامج “بانوراما” الشهير بطريقة اعتُبرت مضللة، ما أثار جدلاً واسعاً حول نزاهة التحرير الإعلامي في واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في العالم.

استقالات واعتذار رسمي من “بي بي سي”

وفي خضم العاصفة الإعلامية، أعلن المدير العام للهيئة تيم ديفي ورئيسة قسم الأخبار ديبورا تورنيس استقالتهما، وسط ضغوط متزايدة وانتقادات لاذعة.

ووفق المستشار السابق للجنة المعايير التحريرية في “بي بي سي”، مايكل بريسكوت، فإن البرنامج قام بدمج عبارتين منفصلتين من خطاب ترامب، مما أعطى الانطباع بأنه دعا مؤيديه “للقتال بشراسة” عند ذهابهم إلى مبنى الكابيتول، في حين أن النص الأصلي يظهر أنه دعاهم للهتاف دعمًا لأعضاء الكونغرس.

وفي بيان لاحق، اعترف رئيس مجلس إدارة الهيئة سمير شاه بوجود “خطأ في التقدير”، مؤكدًا أن طريقة تحرير الخطاب لم تكن دقيقة.

ترامب يطالب باعتذار وسحب البرنامج

وهدد فريق ترامب القانوني برفع دعوى قضائية إذا لم تعتذر “بي بي سي” علنًا وتسحب الفيلم الوثائقي المثير للجدل، إلى جانب مطالبته بتعويض مالي ضخم عن “الضرر المعنوي والسياسي” الذي لحق به. وحدد محامو ترامب مهلة حتى 14 نوفمبر 2025 قبل المضي قدمًا في الإجراءات القانونية.

استطلاع رأي أجرته مؤسسة “يوغوف” أظهر أن 57 بالمئة من البريطانيين يؤيدون تقديم اعتذار مباشر لترامب، بينما عارض ربع المستطلعين هذه الخطوة.

الجدل يأتي في لحظة حرجة بالنسبة لـ”بي بي سي”، التي تستعد لإعادة التفاوض على ميثاقها الحاكم مع الحكومة البريطانية، والمقرر انتهاء العمل به عام 2027.

وقالت ميل بونس، مديرة مركز الصحافة والديمقراطية في جامعة “سيتي سانت جورج”: “ما حدث يمثل خطأ فعليًا، لكن الأخطر هو الهجوم الممنهج الذي تتعرض له بي بي سي، والذي قد يُستخدم لتقويض استقلاليتها وتمويلها”.

حملة طويلة لترامب ضد الإعلام

ليست هذه المرة الأولى التي يدخل فيها ترامب في معارك قانونية مع وسائل الإعلام. فقد رفع دعاوى سابقة ضد شبكات وصحف كبرى مثل:

  • CNN: طالب بتعويض قدره 475 مليون دولار، رفضها القضاء لاحقًا.
  • ABC News (ديزني): تم التوصل إلى تسوية بقيمة 15 مليون دولار.
  • CBS (باراماونت): سويت دعوى بـ20 مليار دولار حول تعديل مقابلة.
  • وول ستريت جورنال: دعوى حديثة تتعلق برسالة تهنئة مزعومة لجيفري إبستين.
  • نيويورك تايمز: أعاد رفع دعوى بـ15 مليار دولار بتهمة التشهير الشهر الماضي.

كما جمد ترامب سابقًا تمويل مؤسسات إعلامية أمريكية عامة مثل “صوت أمريكا”، لكن القضاء أعاد التمويل مؤقتًا بعد طعن قانوني.

حرية الصحافة في مهب رياح السياسة

وقال المؤرخ السياسي ديفيد تاونلي إن القضية تتجاوز مجرد خطأ تحريري: “علينا أن نقلق من تضييق السلطة التنفيذية على دور الإعلام، لأن ذلك يقوض دور الصحافة كمراقب مستقل للحكومة”.

وأشار إلى أن التشكيك في مصداقية مؤسسات إعلامية دولية كبرى مثل “بي بي سي” قد يعزز الدعوات لتقليص تمويلها العام، مما يهدد محتواها الإخباري والثقافي على حد سواء.

مخاوف على مستقبل “بي بي سي” ودورها العالمي

يحذر مراقبون من أن هذه القضية قد تستخدم سياسيًا لإضعاف “بي بي سي”، خصوصًا مع اقتراب إعادة النظر في تمويلها وميثاقها التنظيمي. وتخشى أوساط إعلامية أن تؤثر الحملات الحالية على استقلالية الهيئة ودورها كمصدر عالمي موثوق.

وقالت ميل بونس: “الخطر الحقيقي هو أن يُستغل هذا الخطأ التحريري لتغذية سرديات سياسية قد تؤدي في النهاية إلى إلغاء أو تقليص التمويل، ما سيضر ليس فقط بجودة الصحافة، بل أيضًا بالثقافة العامة التي تقدمها المؤسسة”.

ينشر بالتعاون بين مؤسسة الكومبس الإعلامية و DW