الكومبس -خاص: كيف تكبر في بيت يحمل قيماً شرقية محافظة، بينما تعيش في مجتمع غربي يتحدث بلغة مختلفة تماماً عن مفاهيم الحرية والاندماج والاستقلال؟ هذا التوتر إن صح التعبير بين ثقافتين يعيشه آلاف الشباب والشابات من أبناء المهاجرين في السويد، ويشكل يومياً معركة هوية داخلية بين ما يُنتظر منهم في المنزل، وما يُفترض أن يكونوه في الشارع والمدرسة والعمل.
في هذه الحلقة من سلسلة “الكومبس” حول الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، نروي قصتي فتاتين في التاسعة عشرة من عمرهما: ملك ودينا، نشأتا في السويد، لكن انتماءهما موزع بين الـ“هنا” والـ”هناك”.
لا هنا ولا هناك
الإحساس المزدوج بـ”لا هنا ولا هناك” يعاني منه نحو 20٪ من سكان السويد، أي الذين وُلدوا في الخارج أو لهم والدان وُلدا في الخارج. وتُظهر دراسة أن الشباب بين 16 و24 عاماً من هذه الفئة أكثر عرضة لتجارب صراع الهوية مقارنة بأقرانهم من خلفيات سويدية.
تصف كل من ملك ودينا شوقاً عميقاً لـ “الانتماء”، بالرغم من شعورهما الدائم بأنهما واقفتان بين عالمين.
تقول ملك: “لن يُنظر إليكِ أبداً كأنكِ “سويدية تماماً – مهما كنتِ بارعة في اللغة – و في البلد الأصل ينطرُ لك “كأنك أجنبية تماماً.
هذا الشعور بعدم الانتماء الكامل، تؤكده دينا أيضاً، التي التحقت بالمدرسة في مدينة لوند، لكنها لم تشعر يوماً بأنها داخل الدائرة بشكل كامل.
توضح: “يعتقدُ أهلي أنه من الجنون أن تخرج فتاة شابة في وقت متأخر من الليل. بالنسبة لهم، هذا أمر خطير لكن بالنسبة لي هو أمر بديهي في السويد”.
أحلام تصطدم بالخوف
ورغم تحديات الهوية، فإن خطط المستقبل واضحة وضوح الشمس. تقول ملك إنها ومنذ طفولتها تحلم بأن تصبح محامية، خاصة في مجال جرائم الأحداث.
تقول ملك: “لا أريد فقط الاستماع إلى الشهادات، بل أريد أن أفهم دوافع الجريمة وأدافع بشغف عن العدالة”.
تخطط ملك لدراسة الحقوق في السويد، ثم الحصول على شهادة دولية إضافية لتعزيز كفاءتها. أما دينا، فترى في المهن الصحية مساراً مناسباً.
تخبرنا دينا عن رغبتها في دراسة التمريض خارج السويد كأستراليا أو نيويورك. لكن الموضوع غير مسموح به على الإطلاق في عائلتها.
تقول:”عاش والدّي تجربة الهجرة بكل صعوباتها، ويخشون من التشتت وعدم الأمان. فهم يظنون أنهم يحمونني، لكن أحيانًا أشعر أنهم يحمون مخاوفهم، ليس أنا”.
التعليم العالي والفجوة التكاملية
شهدت السويد خلال العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات التعليم. فقد ارتفعت نسبة الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي لثلاث سنوات على الأقل بين السكان (25–64 سنة) من حوالي 10٪ في التسعينات إلى أكثر من 30٪ في عام 2024 . أما بين المولودين في الخارج، فتبلغ النسبة حوالي 25٪، حسب مكتب الإحصاء المركزي
ورغم هذه الإنجازات، لا تزال هناك فجوة في التحصيل. فالطلاب الجدد في السويد يحققون نتائج أضعف في الاختبارات الوطنية مقارنةً بأقرانهم السويديين، كما أن معدلات التسرب المبكر أعلى بين المهاجرين وتؤثر هذه الفجوة على فرص الوصول إلى التعليم الجامعي وتحقيق الطموحات، وهي ضغوط تشعر بها كل من ملك ودينا.
تلعب العائلة دوراً مزدوجاً في حياة ملك ودينا. حيثُ تشجيع تارةً، وتمارسُ الضغوطات والقيود تارةً أخرى:
“أمي تشجعني دائماً، وأبي فخور بي، لكن هذا يخلق لدي ضغطًا خفياًا كي أكون مثالية.”
تقول ملك، التي حصلت على أعلى الدرجات خلال ثلاث سنوات متتالية، لكنها لا تزال تشعر بالخوف من الفشل، خاصة مع التنافس العالي على مقاعد الجامعات. وهذا امرٌ يصعبُ تصديقه من جانب والديها، لأنها متمكنة من اللغة السويدية و بنظرهما فهي مندمجة جدا في المجتمع فلا توجدُ اعذارٌ لصعوبات أخرى.
التوتر، الكمالية، والصحة النفسية
و تخترق مشاعر القلق من الأداء كلا القصتين.
تقول ملك: “كل شيء في حياتي مبني على مستقبلي. الضغط الخفي كي أكون مثالية لا يُحتمل أحياناً.”
ملك تحاول تقليل التوتر، لكنها تدرك أن طموحها المفرط هو محركها الأساسي.
أما دينا تعاني من فراغ الصيف بعد التخرج وهي تخطط للجمع بين العمل والتقديم لدراسات جديدة، في محاولة لاستعادة الإحساس بالمعنى والسيطرة على وقتها.
تؤكد: “كان شعوراً جميلاً أن أنهي المدرسة، لكن القلق من عدم توفر المال والشعور بالفراغ كانا قاسيين.”
وتُظهر الأبحاث أن الصحة النفسية لدى الشباب من خلفيات مهاجرة تتأثر سلباً أكثر من غيرهم، بسبب الضغوط المزدوجة من المدرسة والعائلة. لذا فإن تقديم الدعم المدرسي وفتح نقاشات حول التوتر أصبح أمراً ضرورياً.