Lazyload image ...
2012-12-04

يطمح الكومبس على نشر سلسلة مقالات للتعريف ببعض أعلام الأدب والثقافة السويدية، لتعريف القارئ بجانب هام من جوانب حياة الشعب السويدي، وكذلك علاقة الثقافة السويدية بعالمنا العربي

الكومبس – بقلم سمير طاهر

غونار إيكيلوف (1907- 1968) ليس أحد أعظم شعراء السويد وأكثرهم شهرة وحسب، وإنما هو أيضاً أقرب أدباء البلاد الاسكندنافية الى العرب والشرقيين عموماً.

يطمح الكومبس الى نشر سلسلة مقالات للتعريف ببعض أعلام الأدب والثقافة السويدية، لتعريف القارئ بجانب هام من جوانب حياة الشعب السويدي، وكذلك علاقة الثقافة السويدية بعالمنا العربي

الكومبس – بقلم سمير طاهر

غونار إيكيلوف (1907- 1968) ليس أحد أعظم شعراء السويد وأكثرهم شهرة وحسب، وإنما هو أيضاً أقرب أدباء البلاد الاسكندنافية الى العرب والشرقيين عموماً.

فمنذ بواكير ثقافته، حيث كان في المرحلة الاعدادية، تعرف على الأدب الصوفي الشرقي حين قرأ أشعار ابن عربي والرومي والشيرازي، وانجذب إليه بشدة. وطبعت هذه النزعة الصوفية محاولاته الشعرية الأولى ولكنها لم تأخذ هيأتها الناضجة فنياً إلا في مرحلة متقدمة من حياته وذلك في آخر أعماله الكبيرة: "ثلاثية الديوان"، والتي تضمنت: ديوان أمير أمجيون (1965)، حكاية فاطمة (1966)، الدليل الى العالم السفلي (1967).

أما في سنواته المبكرة فقد كان افتتانه بالشعر الصوفي العربي طريقاً الى افتتانه بالثقافة الشرقية عامة حتى إنه خطط أن تكون هذه الثقافة هي موضوع دراسته المستقبلية. وبالفعل انخرط في دراسة اللغة العربية والفارسية وغيرها في قسم الدراسات الشرقية في جامعة أوبسالا، الأمر الذي مكنه من إشباع قراءاته في النصوص الصوفية في هذه اللغات. وكانت ثمرة تلك المعايشة مجموعة شعرية أطلق عليها "بواكير النصوص الصوفية" وهي أولى محاولاته الشعرية. وعلى الرغم من أنه لم يواصل دارسة هذه اللغات الى النهاية، ورغم أنه قرأ النصوص العربية مستعيناً بترجمة انجليزية لها، إلا إنه تمكن بحسه الشعري ورهافته من اجتياز حواجز اللغة والوصول الى الأعماق الروحية في تلكم النصوص. لقد عبر من لغة الحروف الى لغة الروح. وإنجازه العظيم هذا، ونجاحه في أن يغدو صديقاً بالروح لشعراء عرب وفرس وهنود عاشوا قبلنا بقرون بعيدة، يوضح ما قصدته في البداية من أنه أقرب أدباء اسكندنافيا إلينا نحن أبناء الشرق.

ليس ادعاء أن نقول ان روح الشرق ظلت وحتى آخر لحظة من حياة غونار أقوى المؤثرات في نفسه. فبعد حياة حافلة برزت من أعماقه تلك التجليات لتمنح حياته تلخيصاً فنياً ومغزى شمولياً ختم به حياته الأدبية.

من حسن القارئ العربي أن هذه ثلاثية الديوان مترجمة الى لغتنا وذلك على يد المترجم الفلسطيني الراحل موسى صرداوي. ورغم ملاحظات يمكن أخذها على هذه الترجمة (وعلى أية حال لا توجد أبداً ترجمة دقيقة للشعر) إلا إنها قريبة قدر المستطاع من المضمون الأصلي. والمهم للقارئ العربي أن يفهم من خلالها أن غونار أيكيلوف لم يكن حالماً ولم تكن رؤاه بسيطة ولا حتى خيالية، إنما كان عميقاً في توغلاته، مخادعاً في وضوحه، ذكياً في التقاطه للفكرة وفي أسلوب عرضها، هذا الأسلوب الفني التي يتميز به وحده.

كان الشاعر يحس بأنه غريب في بلده وأنه غير مفهوم للآخرين ( جدير بالذكر إن مجموعته الأولى "متأخراً على الأرض" قوبلت بالتجاهل حين صدرت سنة 1932 ووصفت بالسريالية في وقت لم يجد فيه تيار السريالية شعبية له في السويد) ولكنه كان مستوعباً لهذا، ومستوعباً لمحدودية الأفق العام في بلده. وقد لخص كل هذا في بيتين بليغين:

"أنا غريب في هذه البلاد

لكن هذه البلاد ليست غريبة.. فيَّ "

فانجذابه الى صوفية الشرق ليست ترفاً سياحياً وإنما هو عثور على صدى لأفكاره وسط عالم يحس وسطه بالاغتراب.

المحور الرئيس لكتاب "حكاية فاطمة" هو الحب في أبعد معانيه وأقوى دلالاته. نشره غونار في خريف 1966، وبعد نشره ببضعة أشهر سافر الى العالم العربي. ويروي الشاعر والكاتب السويدي ريدر إيكنر في مقدمته للترجمة العربية للكتاب أن أيكيلوف في سفرته تلك أقام وأسرته أسبوعين في مدينة الحمامات وتونس العاصمة، وكانت تلك تجربة كبيرة له حيث وجد نفسه في العالم الذي سحره وألهمه كتابه، حتى إنه كان يتراءى له أنه يلمح فاطمة بين حشود الناس. فقرر أن يعود في السنة التالية ويقيم هناك مع أسرته.

لكنها أمنية لم يتح لها أبداً أن تتحقق، ولن يعود أبداً الى تلك البلاد التي أحب، فقد كان المرض قد بدأ يكشف عن نفسه في جسده.