Foto: Johan Nilsson / TT
Foto: Johan Nilsson / TT
2.6K View

على مصطبة خشبية تتوسط ساحة بيع الخضراوات، في ضاحية شارهولمن (جنوب ستوكهولم)، يجد الزائر القادم إلى السويد، مشهداً مكثفاً لبشر من مختلف الجنسيات والسحنات والألوان.

عيون حائرة.. هاربون من حروب وأزمات اقتصادية.. تجمعهم السويد تحت خيمة الأمان. كثيرون منهم استطاعوا “التأقلم” مع الواقع الجديد، ونجحوا في أعمالهم، فيما البعض يحاول إيجاد موطئ قدم له في المجتمع الجديد.

هنا في شارهولمن، نحن في قلب ستوكهولم، لكن من النادر أن تجد مواطنّاً من أصل سويدي، يعيش في هذه المنطقة!

شارهولمن، هي واحدة من تلك المناطق الضعيفة التي عادة تكون غالبية سكانها من أصول مهاجرة وهو مصطلح يُطلق على ضواحي المدن التي يسكنها المهاجرون.

هذه المناطق، هي مثار جدل دائم، وقضية تشغل الرأي العام والناخب السويدي.

وقبل سنة من الانتخابات المقبلة، عاد النقاش حول ما إذا كان يجب السماح للمهاجرين باختيار منطقة سكنهم، أم لا، وهو ما كانت السويد حسمته في العام 1994، من خلال تشريع قانون EBO أو الإسكان الفردي العام كنموذج للحرية، بعد أن استطاعت حكومة تحالف يمين الوسط البرجوازية آنذاك تمريره في البرلمان.

وسط منطقة شارهولمن Foto: Jessica Gow / TT 

ماذا يقول سكان المنطقة؟

نمرود البازي، 59 عاماً يعمل في مطعم عربي وسط شارهولمن، يقول: “اخترت العيش هنا لإن مصدر عملي، هو بين العرب.. نعم توجد مشاكل، المنطقة مهملة لكن هذا هو الواقع، وأنا وأمثالي لا نستطيع الحصول على فرصة أفضل لو كنا في مناطق ثانية”.

يتدخل صديقه سامان (44 عاما) ويقول: ” أطفالنا يكبرون ولديهم فرص أكبر في العيش “بالمناطق السويدية”، أما نحن فهذا هو قدرنا”.

سعيدة محمد (30 عاماً) ترى أن من حق كل شخص، حتى لو كان طالبا للجوء أو مقيما جديداً اختيار مكان سكنه بنفسه، يؤيدها في ذلك إسماعيل عباس (39 عاماً)، ويقول: “من يستطيع أصلا السكن في مناطق “سويدية”؟ كل شيء فيها غالي من الإيجار الى كلفة المعيشة”.

جميلة عز الدين ( 29 عاما) تختلف مع أراء الآخرين وتقول، “الأجانب يريدون أن يكونوا مع بعض ولا يفضلون السكن في مدن صغيرة أو قرى، بل يريدون السكن في المدن الكبيرة وهذا غير ممكن للقادم الجديد الذي لم يستطع بعد تكوين نفسه وتأهيلها لدخول سوق العمل”.

أميل صرصور

اميل صرصور: لا أفضل أن يتجّمع الناس في منطقة واحدة

أميل صرصور، كان رئيسّاً لاتحاد المهاجرين في أوبسالا، لعدة سنوات، وصل الى السويد في العام 1990، وهو ناشط سياسي معروف في المدينة يقول لـ “الكومبس” : “الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، ويحب العيش المشترك، ولديه غريزة القطيع.

اللاجئ في أي بلد، يبحث ويحّن الى روح وتقاليد المجتمع الذي عاش فيه، مهما كان شكل وعلاقات هذا المجتمع. فمثلا الصومالي يحّن الى علاقات المجتمع الصومالي. كذلك العربي والافغاني وكل لاجئ يبحث في بلاد الغربة عن من يتكلم لغته ومن يستوعب عاداته وتقاليده.

اللاجئ في السويد بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الأثنية لا يشذ عن هذه القاعدة، فهو يبحث عمن يشاركه اللغة والعادات والتقاليد. ولكن مع الأيام وازدياد اعداد المهاجرين بدأت كل مجموعة أثنية بالتجمع في مناطق سكنية معينة. وللأسف مع الأيام أصبحت هذه الأماكن مهمشة، وازادت فيها المشاكل الاجتماعية، الجريمة والمخدرات.

 وفي بعض الدارسات تم ربط البطالة والجريمة بهذه المناطق المهمشة. بعض البلديات ومن بينها بلدية أوبسالا، اتخذت اجراءات قاسية بحق القادمين الجدد، بحيث أوقفت مساعدة الايجار لحوالي 40 شخص لأنهم اختاروا السكن في بعض المناطق المهمشة بالمدينة.

الاختيار في كل شيء، هو حق طبيعي للإنسان، ولكنني لا أفضل أن يتجّمع الناس في منطقة واحدة في نفس المدينة، لأن في هذا حرمان للقادم الجديد من الاختلاط بالمجتمع السويدي، ومن فرصه في الحصول على عمل.

 من تجربتي الشخصية فإنني وبعد أن حصلت على الإقامة الدائمة اخترت الإقامة في قرية صغيرة. في البداية كانت الحياة صعبة جداً، ولكن النتيجة بعد عدة سنوات كانت جيدة لي ولأولادي، فقد تكلموا اللغة بطلاقة، وحصلوا على تعليم عالي وهذا أيضا شجعني أنا وأولادي لنكون فاعلين مع قضايا شعبنا ومؤثرين أيضا في المجتمع السويدي.

ضاحية Skäggetorp في مدينة لينشوبينغ (صورة من الأرشيف لحادث إطلاق نار سابق)

رؤية الاشتراكيين والمحافظين: تقاطع وتضاد

تتقاطع وجهة نظر أكبر حزبين في السويد حول هذه القضية.

على سبيل المثال، نشبت معركة سياسية حول من يجب السماح له بالعيش في المناطق الضعيفة بلينشوبينغ، بعد أن وقع عدد من الجرائم في هذه المناطق التي يشكل المهاجرون غالبية سكانها.

ودعا السياسي إلياس أغويري (اشتراكي ديمقراطي) إلى فرض حظر كامل على سكن الوافدين الجدد في هذه الأماكن، مؤكداً أن هذه ستكون واحدة من أهم القضايا الانتخابية.

وقال “تفاقمت مشاكل الفصل والهجرة هنا. لم يبق أي شخص من أصول سويدية تقريباً في بعض المناطق، كما ينتقل منها المهاجرون الذين يحصلون على وظائف. أما الذين لا موارد لديهم فيبقون فيها معزولين عن بقية المجتمع السويدي”.

وتحدث أغويري عن مفهوم “السيطرة الاجتماعية”، أو ما يسميه المجلس السويدي لمكافحة الجريمة “الميل إلى التدخل”، ويتمثل في شعور السكان بالثقة والتضامن وتدخلهم لمنع أي أمر سلبي.

وقال أغويري “نفقد السيطرة الاجتماعية عندما يكون لدينا كثير من الناس الجدد في البلاد ولا يعرفون كيف يتصرفون”.

أما رئيس مجلس البلدية نيكلاس بوري (محافظين) سابقاً فقال “إن تقييد السكن في أجزاء معينة من لينشوبيغ لن يؤدي إلا إلى زيادة وصم هذه المناطق. كما أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من عقود التأجير بالأسود”.

ضاحية من ضواحي ستوكهولم التي توصف بالضعيفة Foto: Maja Suslin / TT

ماذا يقول قانون حرية سكن المهاجرين؟

أُقر قانون EBO أو الإسكان الفردي العام 1994 كنموذج للحرية وقررته الحكومة البرجوازية آنذاك. ويمنح القانون طالبي اللجوء الحق في الاستقرار أينما يريدون مع الاحتفاظ بالمساعدات. وكان الجميع قبل ذلك يحالون إلى مراكز اللاجئين، الأمر الذي اعتبر أنه يزيد من صعوبة الاندماج.

وبعد تزايد الانتقادات من البلديات بأن القانون زاد من الفصل العنصري في المناطق الضعيفة، استثنى البرلمان العام الماضي 32 بلدية من القانون، وبات طالبو اللجوء يفقدون مساعدات مصلحة الهجرة إذا اختاروا الانتقال إلى المكان الذي يريدونه.

قسم التحقيقات

Related Posts