Lazyload image ...
2015-05-08

الكومبس – ثقافة: قبل نصف ساعة من إعلان الأكاديميّة الملكيّة السويديّة عن جائزة نوبل للآداب، في السنة التي فاز فيها (توماس ترانسترومر) بالجائزة، اتصلتُ بمونيكا، زوجته، معرِّفاً بنفسي ومُذكّراً إيّاها بي قائلاً:

* هَيْ مونيكا! أنا عبدول، العربي الذي أرسل كرت التهنئةِ قبل سنوات، أودّ أن أهنِّئكما ثانيةً لأنني أعتقدُ أنّهُ سيفوز.

سمعتها تتحدّث إليه مُذكّرة إيّاه بي، ثم عادت لتجيبني:

* هو يشير لي (لأنّه غير قادر على الكلام) أنّه لا يعتقد ذلك، رغم حشد الصحفيين المنتظرين بباب المنزل.

بعد إعلانِ النتيجة، لم أوفّق لتهنئتِهما، فقد انهالت إتّصالات الصحفيّين والمهنّئين عليها، وصارت فرصةُ الإتصال الهاتفي بها عسيرة.. ثم فقدت حماسي مع الزمن. كان ذلك عام 2011.

كنتُ قبله بخمس سنوات، قد عكفت على ترجمة كتاب مذكّرات ترانسترومر (الذكرياتُ تراني)، غير أنّي، ولظرفٍ ما، وضعتها جانباً، مؤجّلاً المشروع لوقت آخر. لكنّي، وبعد نواله الجائزة، عدت لترجمة الكتاب، وكان لي أن أكملها في غضون أسابيع، وأنال شرف أوّل مترجم لها من لغتها الأصليّة إلى العربيّة.

كنتُ قد التقيت (ترانسترومر) في حفلٍ شعري قبل نيله نوبل بسنوات، وكان مشلولاً على عربة تهتم بأمرها زوجتُهُ (مونيكا)، قلتُ لها أنني سأكون فخوراً لو أنها سمحت لي بتصويرهما، فلم تجد مانِعاً. بعد عامٍ أرسلتُ لهُ بالبريد، بطاقة معايدة في ذكرى ميلاده، على شكل تصميم لكتاب مختارات من أشعارِه أعطيتُهُ عنوان (قصائد الهايكو)، كنت قد صمّمته وغلافاً آخر حمل عنوان مذكّراته التي أشرتُ إليها. إتّصلت بي مونيكا فور وصول البطاقة، قالت أنّه سُرّ بها كثيراً ويشكرك.

تعرفت إلى أشعار (توماس ترانسترومر) بصدفة غريبة، طلبت مّنا معلّمة اللغة، وهي شاعرة تمزّق أغلب ماتكتبه، اسمها (كريستينا شوبيرغ)، طلبت كتابة موضوع حرّ، وكنت قد فرغتُ قبلها من كتابة قصيدة حب مكتوبة لـسكندريّة عنيدة، وارتأيتُ أن أقوم بترجمتها وتقديمها لكريستينا كواجب مدرسي، أذكر منها هذا المقطع:

“أولئك الفيكنج، وبحارة (فازا) الغرقى فيما بعد، حين أقاموا ستوكهولم من جذوع الأشجار

لم يخططوا لـ (مَشتا)، لأنكِ أنتِ اقترحتِها.

اقترحتِها يوم قال (كافافي): وداعاً للاسكندريةِ التي تغرق برحيلكِ!

ويوم لم يكن هناك (مَشتيون) جدُد.”

في اليوم التالي سألتني كريستينا إن كنتُ أعرف تماماً من هو (كافافي) الذي يردُ اسمهُ في القصيدة، “هو شاعري المفضلّ”، أجبتُها، ثمّ أردفتُ: “قرأت له كلّ ما تُرجم للعربيّة من أشعارِه”.

وطفقتُ أحدّثها عن (إيثاكا) و(البرابرة)، وعن حياة الخراب في قصيدة (المدينة)، التي قالت إنهّا من أحب نصوصه إليها. ثمّ صار وقت الفسح مابين الحصص، وقتاً لشرب فنجان قهوة، وثرثرة.

تحدّثنا الكثير عن الشعر والحبّ والأسفار، وعن صديقي المصوّر (سفيان الخزرجي)، المعلّم الذي غادر قرية (بهرز) بالعراق قبل ثلاثين عاماً من ذلك التأريخ، ليصبح الأشهر في عموم سكندنافيا، ويحصد ميداليات الذهب، وأرشدتُها إلى صفحة أعماله على النت، أشارت لصورة (بينغت)، الحائزة على أكثر الذهبيّات، وقالت إنّها لقطة مميزة.

بعد شهور، سيتوجّبُ عليّ أن أترك معهد (السويديّة للمهاجرين)، وأعانق كريستينا مودّعاً إيّاها، وشاكراً لها أنّي بفضلها، سأكتبُ في خانة اللغات التي أجيد التحدّث بها، في طلبات العمل القادمة، السويديّة لغةً ثالثة.

يوم توادعنا،لم يدرِ أحدُنا ماذا كان الآخر يخبّيء له، أهدتني هي كتاباً لترانسترومر بتوقيعه، أخرجتهُ من حقيبتها، وأهديتُها بالمقابل نسخة من لوحة (بينغت) بتوقيع صاحبي أيضاً، كنت قد هيّأتُها لمثل هذا اليوم، ثم عانقتُها مودّعاً ومضيت أحبس دمعة وأنا أنوء بالكتاب وأترنّح في مشيتي كما لو كنت على سنام جمل، فيما تداركت هي الأمر بطريقتها، وعاودت شرحها للآخرين، عن الفرق بين الفعلين الماضيين، التام والمستمرّ.

ومن يومها وأنا أتطلّع للقاء ترانسترومر، حتّى تيّسر الأمر لي صحبة (سفيان) ذاته، وخرجتُ من ذلك اللقاء بصورة، أبدو فيها غاية في الفخر، وأنا أتأبط يدهُ السليمة، فيما كانت الأخرى، المشلولة، تضرب الأرض بعكّاز.. سأكتبُ بتأثير منهُ، مرثيّة له قبل رحيله بكثير.

هدية كريستينا حملتني على أن أقرأ لترانسترومر المزيد، وأترجم بعض أشعاره لنفسي، منها (بطاقات سوداء):

“يحدثُ في منتصفِ الحياةِ، تماماً، أن يجيءَ الموتُ في زيارة. يأخذ المقاساتِ ويمضي. تمضي الحياةُ قُدماً بعدها، والزيارةُ تُنسى. لكن البُزّة تخاط بصمت.”

بعد سنوات، سيرتدي ترانسترومر بزّته السوداء، وترثُ مونيكا عكّازه ذاك. فيما أروح مفتّشاً في حافظة أوراقي القديمة عن مرثيّته التي كتبُها له، ايّام كانت البزّة إيّاها تُخاط بصمت.

قصيدة إلى ترانسترومر ضد الموت

ضارِباً..؟ لكن إلى أينَ؟ أرى، فيما يرى الأحياءُ والموتى، يَداً تَقرعُ بالعكّازِ مَمشىً حلزونياً إلى الخُلدِ. أرى النَجمةَ في عليائِها تُومئُ لي، والذَنَبَ الخابيَ تاجي وسراجي. وأراكَ.. اهتزت الأرضُ، ولَمْ تَرْبُ، وأمواهُ البحارِ السبعةِ اختضّت فغاضَتْ. وأتى (دَربَ الشتاءِ) (*) العَثِرَ الغاوونَ: ها إنّا هُنا! أيانَ تهوي بعصاكَ القبضةُ اليُسرى؟

أرى المِعراجَ للغاوينَ يَنْشَقُّ، فينقضّونَ في الممشى سِراعا. مَن تُرى مِن مَلكوتِ الأرضِ يمضي للسمواتِ الهُوَينى، يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبرَصَ ما بينَهما؟ حتّى متى يحتشدُ الفانونَ أفواجا؟ ومن يُبرئُني من لعنةِ الثأثاءِ؟ لا جدوى.. رأيتُ امرأةً تُرقدُ في التابوتِ، عندَ القاعِ غرقى، قلتُ (أوفيليا) تَعالِي! البحرُ ينشقُّ لنا، والسَمَكُ الفِضّيُّ يمضي “والنفاياتِ التي تجرفُها الريحُ”.

أنا، في بَعدِ ظهرِ أحدٍ كنتُ حزيناً، لا أخي.. لا زهرة الرمّانِ، لا النارنجُ. والناجون من فاجعة الطوفانِ لمْ أدفن سواهمُ أحداً. كنتُ حزيناً ومعي الشمعةُ والدمعةُ والقربانُ، أوفيليا تعالي! فالنواقيسُ التي يقرعها الرهبانُ ترتجُّ سدى..

في الليلِ، كان المطرُ الاسودُ ينهلُّ، وينهلُّ

أتى الشاعِرُ بالعكّازِ يسعى …..

ضارباً، قلتُ، إلى أينَ، بعكّازكَ، أينْ؟

أنتَ لن ترقى لمِعراجِك، ما طوّفت، في طرفةِ عينْ.

(*) درب الشتاء، تعبير بالسويديّة يعني مجرّة درب التبّانة.

كريم راهي – ستوكهولم