الكومبس – أخبار السويد: في بداية تسعينيات القرن الماضي، وصل نحو 100 ألف شخص من دول يوغوسلافيا السابقة إلى السويد هرباً من الحرب والانهيار والعنف، فيما حصل قرابة 70 ألفاً منهم لاحقاً على حق الإقامة.
وبعد أكثر من 30 عاماً، أصبح كثير منهم يشغلون مناصب بارزة في الجامعات والإعلام والاقتصاد والسياسة، في تجربة تُستخدم اليوم كثيراً كنموذج على “الاندماج الناجح” في السويد.
ومن بين هؤلاء نهاد بونار، الذي يعمل اليوم أستاذاً جامعياً ونائب رئيس قسم في جامعة ستوكهولم، وأليسا بوسنيتش، مديرة راديو السويد P4 Stockholm، وساسيا بيسليك، الذي أصبح لاحقاً من أبرز الأسماء في القطاع المالي والاستثماري.
“كنت على بعد أيام من الموت”
ويروي ساسيا بيسليك أنه غادر سراييفو في مارس 1992 مع صديق له، وكانت الخطة مجرد زيارة لأقارب وربما استكشاف فرص الدراسة في الخارج، لكن الحرب اندلعت بعد أسبوع واحد فقط.
وقال لصحيفة GP “بعد أيام قليلة من مغادرتي، كانوا يُنزلون الشبان من الحافلات ويطلقون النار عليهم في المكان نفسه”.
أما وصوله إلى السويد فكان “محض صدفة”، بحسب تعبيره، بعدما اشترى أرخص تذكرة متاحة من بولندا لتنقله العبّارة إلى مدينة يستاد جنوب السويد.
وأضاف أنه اضطر لاحقاً إلى الفرار بشكل نهائي بعد تلقيه أمراً بالالتحاق بالجيش البوسني “كان لدي أربع ساعات فقط لأودع والديّ. أنا من عائلة مختلطة إثنياً، ولم أرد أن أقاتل أو أقتل أحداً”.

“أدركنا أنه لا يوجد شيء نعود إليه”
وقال نهاد بونار إنه احتاج نحو ستة أشهر في السويد حتى أدرك أن الحرب لن تنتهي قريباً، وإن العودة لم تعد خياراً واقعياً.
وأضاف “شعرت أن هناك هاوية خلفي، ولم يعد أمامي سوى التقدم إلى الأمام”.
وتتفق معه أليسا بوسنيتش، التي وصلت إلى السويد عام 1992 مع طفلتها البالغة عاماً ونصف العام، قائلة إن لحظة فهمهم أن العودة غير ممكنة غيّرت كل شيء “حين أدركت ذلك، ركزت بالكامل على الدراسة وبناء حياة جديدة. وإلا كنت ستعيش في حالة انتظار دائمة”.

لماذا نجحت هذه المجموعة في الاندماج؟
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة لينيوس ماتس هامارستيدت أن عدة عوامل ساعدت القادمين من البلقان على الاندماج بشكل أسرع مقارنة بمجموعات أخرى، من بينها الخلفية الأوروبية، والتشابه النسبي في النظام التعليمي والثقافة، إضافة إلى وجود موجات هجرة عمالية سابقة من يوغوسلافيا إلى السويد، ما سهّل أيضاً دخول كثيرين إلى سوق العمل مقارنة بمهاجرين قدموا من بيئات مختلفة ثقافياً وتعليمياً.
وقالت أليسا بوسنيتش “كثير منا كان قد سافر داخل أوروبا سابقاً، لذلك لم تكن السويد تبدو عالماً غريباً بالكامل”.
لكّنها تؤكد أن المرحلة لم تكن خالية من العنصرية أو التوترات حيث لم يكن الترحيب كاملاً. كانت هناك أزمة اقتصادية، وصعود لتيارات معادية للمهاجرين، إلى جانب الهجمات العنصرية التي نفذها ما عُرف بـ”رجل الليزر” في السويد (وهو منفذ هجمات عنصرية استهدفت مهاجرين في السويد خلال التسعينيات).
اللغة.. “رقم واحد”
ويتفق جميع من وردت شهاداتهم تقريباً على أن تعلم اللغة السويدية بسرعة كان العامل الأهم في النجاح.
وقال نهاد بونار “سيتم الحكم عليك وتقييمك طوال حياتك من خلال اللغة”.
أما أليسا فتقول إن صفوف تعليم اللغة السويدية للمهاجرين SFI كانت “مليئة بالبوسنيين” في تلك السنوات، مضيفة “في السويد اللغة هي رقم واحد. يمكنك في دول أخرى أن تعيش داخل مجتمعك الخاص، لكن هنا الأمر مختلف”.
وأكد ساسيا بيسليك أن تعلم اللغة وحده لا يكفي، بل يجب أيضاً فهم المجتمع والانفتاح عليه.
وقال “يجب أن تختلط بالبلد وأن تكون فضولياً تجاهه. لا تكتفِ بفهمه بعقلك فقط، بل بقلبك أيضاً”.
“علينا أن نرى ما وراء الاسم واللهجة”
ويرى بونار أن نجاحه لم يكن بسبب جهده الشخصي فقط، بل لأن أشخاصاً في السويد منحوه فرصاً رغم لغته الضعيفة في البداية.
وقال “علينا أن نرى ما وراء الاسم أو المظهر أو اللهجة أو الدين”.
أما أليسا بوسنيتش، فعملت صحفية في سراييفو قبل الحرب، لكنها احتاجت سنوات من الدراسة والأعمال المؤقتة قبل أن تدخل الإعلام السويدي عبر مشروع أطلقته صحيفة Dagens Nyheter للصحفيين من خلفيات مهاجرة.
“السويد بلد الفرص”
ويصف ساسيا بيسليك السويد بأنها “بلد الفرص”، مؤكداً أن التعليم المجاني والدعم المجتمعي منحاه فرصاً لم يكن ليحصل عليها في أماكن أخرى.
وقال “هنا توجد كل الفرص التي ربما لن تحصل عليها في أي مكان آخر. هذا كان أمراً لا يقدّر بثمن”.
وأضاف “لو تعرضت السويد لهجوم غداً، أعتقد أن كثيرين منا سيكونون أول من يقف للدفاع عنها”.