الكومبس خاص: “16 ألف دولار مقابل الإجلاء من غزة لمقابلة مختص طبي في مصر”، كان هذا واحداً من عروض تلقتها وفاء كباجة (50 عاماً) المقيمة في مدينة يوتيبوري ممن أسمتهم “سماسرة الحرب” لإنقاذ أختها سناء (48 عاماً) المُصابة في عينها.

تقول وفاء “أناشد ملك السويد، والمؤسسات الإنسانية، وكل من يملك القدرة على المساعدة، للنظر في حالة أختي ومساعدتها على الخروج الآمن من غزة مع ولديها، لاستكمال علاج عينيها قبل فوات الأوان”.

شهادة دكتوراه رغم الإصابة

تعرض منزل سناء كباجة في غزة للقصف العام 2024، ما أدى لإصابتها في إحدى عينيها وفقدان النظر فيها، تقول وفاء عمّا جرى لأختها “عندما شاهد الأطباء حجم الإصابة في عين أختي قالوا إن العين الأخرى فيها نسبة أمل بنحو 70 بالمئة لئلّا تفقد البصر بالكامل، لأن العين الأولى إصابتها بالغة”.

أجرت سناء عملية جراحية في عينها المصابة على يد الوفد الطبي المصري الذي دخل قطاع غزة خلال مراحل الهدنة المؤقتة فيها، لكن الأطباء غادروا القطاع قبل استكمال العلاج بسبب بدء الحرب من جديد. تقول وفاء “تعيش أختي اليوم وهي لا ترى إلا خيالات باهتة بكلتا عينيها، وتنتظر دورها للخروج إلى مصر على أمل أن تستعيد بصرها ولو في عين واحدة”.

ورغم الإصابة المباشرة بالعين، فإن سناء استكملت دراستها العليا وحصلت على شهادة الدكتوراه في علم النفس من إحدى جامعات السودان بعد استكمال أطروحتها عبر الإنترنت، في واحدة من أصعب الظروف الإنسانية في العالم على حد وصف أختها وفاء.

تقول وفاء “أختي متعلمة ومثابرة، وهي أم لولدين أحدهما يدرس الطب، والآخر أنهى دراسته الثانوية. اضطروا للعيش في المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، ولهذا تدهورت صحة عينيها بشكل خطير، وهي على وشك أن تفقد بصرها تدريجياً نتيجة الظروف القاسية، وانعدام الرعاية الطبية المستمرة”.

فقدت وفاء نحو 150 شخصاً من عائلتها وعائلة زوجها منذ بداية الحرب على غزة العام 2023، بينهم أخوها، وتقول إنها تريد جلب أختها لتلقي العلاج في السويد على حسابها الخاص، لكنها لم تتمكن من ذلك رغم تواصلها مع السفارة الفلسطينية ومنظمات أخرى بحثاً عن “معبر أمان” لإجلاء أختها وولديها من غزة.

وتقول “يبدو الأمر وكأنه مستحيلاً، رغم أننا نمتلك القدرة المالية في السويد لتحمل نفقة العلاج الطبي لأختي، ولكن للأسف هناك سماسرة حرب أو تجار بزيّ أطباء يطلبون مبالغ خيالية من أجل تسجيل أسماء المصابين في غزة ضمن قائمة يُقال إن من عليها سيقابلون طبيباً يوماً ما في مصر بعد الإجلاء أو في مكان آخر”.

هل يمكن جلب الأقارب لتلقي العلاج؟

المحامي مجيد الناشي قال للكومبس إن الحصول على تأشيرة من أجل تلقي العلاج في السويد هو أمر ممكن، مع الإشارة إلى اختلاف الجهة التي تتحمل تكاليف العلاج، ففي حال تقدّم الشخص بطلب التأشيرة بنفسه ضمن ما يُعرف بـ(visum för medicinsk behandling)، فإن ذلك يتطلب استيفاء شروط عديدة، أبرزها أن يكون العلاج غير متوفر في بلد المتقدّم الأصلي، وأن يتحمل الشخص مُقدم الطلب كامل تكاليف العلاج بعد التنسيق مع المستشفى المعني، إلى جانب ضرورة توفر تأمين صحي وغيرها من المتطلبات. لذلك، فإن خيار تأشيرة العلاج يظل متاحاً، لكنه يخضع لشروط صارمة وإجراءات محددة.

وأضاف الناشي أن هناك حالة أخرى يُثار الحديث عنها باستمرار، وهي عندما يكون لدى الشخص في السويد قريبٌ موجودٌ في دولة تشهد نزاعات أو أوضاعاً غير مستقرة، مثل غزة على سبيل المثال. وفي هذه الحالة، لا يتم التعامل مع الأمر كطلب تأشيرة علاج بالمعنى المعتاد، بل يُنصح بالتواصل مع منظمات إنسانية قد تتمكن من المساعدة في إجلاء المصابين ونقلهم لتلقي العلاج في دول أخرى.

السويد لم تستقبل جرحى من غزة

وكانت أصوات بارزة في قطاع الرعاية الصحية السويدية، وكذلك أحزابٌ في المعارضة، انتقدت رفض الحكومة استقبال جرحى من قطاع غزة لتلقي العلاج في السويد في وقت استجابت فيه 14 دولة أوروبية من بينها النرويج لنداءات الاتحاد الأوروبي، وقدمت الرعاية الصحية لعدد من الجرحى الفلسطينيين من غزة بعد نقلهم لأوروبا.

رئيس الوزراء أولف كريسترشون، وصف في وقت سابق استقبالَ جرحى من غزة لتلقي العلاج في السويد بالأمر “بالغ التعقيد”، مؤكداً حينها أن جهود البلاد تركزت في تقديم المساعدات الإنسانية والضغط من أجل ضمان وصول الغذاء والدواء إلى القطاع.

تقول وفاء “تابعتُ قصص حاملي الجنسية السويدية الذين كانوا عالقين في غزة والتي عرضتها الكومبس، ورأيت حجم المعاناة وانتظار الإجلاء حتى بالنسبة لحملة الجنسيات الأجنبية، وحالة أختي سناء تبدو أكثر تعقيداً لأنها لا تملك الجنسية السويدية، ما يجعل فرص الإجلاء أصعب ويزيد حاجتها لتدخل إنساني لتجاوز العقبات بوجه المساعدة الإنسانية”.

مضيفةً “أريد إجلاء أختي لأي بلد فقط من أجل تلقي العلاج، ولكن للأسف حتى الإجلاء للبلدان العربية أصبح معقداً ومكلفاً جداً”.

وختمت وفاء حديثها بتوجيه نداء إنساني من “قلبٍ مثقل بالألم”، ومناشدة لملك السويد والمؤسسات الإنسانية لتسهيل إجلاء جرحى الحرب في غزة، ومن بينهم أختها سناء لتلقي العلاج قبل خسارة مزيد من الأرواح.

سناء كباجة (48 عاماً) قبل الإصابة في غزة
سناء أعلى الشاشة على اليمين أثناء مناقشة أطروحة الدكتوراه عبر الإنترنت

سويديون لا يزالون عالقين في غزة

محمد القنوع، (49 عاماً)، ورسمي المصري (57 عاماً) هما مواطنان سويديان من أصل فلسطيني لا يزالان ينتظران إجلائهما من قطاع غزة، وكانت وزارة الخارجية السويدية أعلنت أن أكثر من 640 مواطناً سويدياً تمكنوا من مغادرة غزة منذ أكتوبر 2023، في عمليات إجلاء قنصلية. ورغم عدم إمكانية تحديد رقم دقيق حول عدد السويديين الذين ما زالوا في غزة، رجّحت الخارجية أن العدد المتبقي صغير، مشيرة إلى صعوبة تحديد الأرقام بدقة في ظل الظروف الراهنة.

رسمي المصري قدّر عدد السويديين العالقين في غزة ما بين 25 إلى 30 شخصاً، مضيفاً أنهم لم يُدرجوا حتى الآن في أي من قوائم الإجلاء التي أعلنتها وزارة الخارجية السويدية.

“كأنني دخلت الجحيم”

وعن شهادتها حول الوضع الإنساني في غزة، قالت الطبيبة مارِت هالمين للتلفزيون السويدي إن ما شاهدته خلال خمسة أسابيع من العمل في القطاع يفوق التصور البشري، مؤكدة أن الدمار كان شاملاً والجوع حاضراً في كل مكان، وأن المدنيين وحدهم يتحملون وطأة الحرب.

وأضافت “ما رأيته هناك لم يكن من هذا العالم. شعرت وكأنني دخلت الجحيم”.

راما الشعباني

يوتيبوري