Lazyload image ...
2015-10-27

الكومبس​ – جاليات: ضمن برنامج منتدى الحوار الثقافي في ستوكهولم عقدت في إحدى قاعات مكتبة شيستا المركزية في العاصمة السويدية يوم السبت الماضي الموافق  24 / 10 / 2015 في الساعة الرابعة عصراً، ندوة حوارية حضرها نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العراقي.

وأدار الحوار السيدة وفاء فرج حيث تطرقت في البداية لفحوى الحوار الذي يسعى المنتدى أن يستعرض مع الحضور  بعض إشكالاتها، ومن ثم استعرضت السيرة المهنية والأكاديمية لكل من الدكتور رياض البلداوي أستاذ وباحث في مجال الطب النفسي والمجتمعي وأيضا الباحث في التاريخ العراقي المعاصر الدكتور عقيل الناصري.

وبعد ذلك أعطت السيدة وفاء الحديث للدكتور عقيل الناصري ليستعرض إشكالية الهوية الوطنية العراقية بناء على معطيات ووقائع تاريخ الصراع السياسي في العراق الحديث، مركزاً في حديثه على التناحر والتقاطع بين كتل وشرائح مجتمعية مثلت تضاد أو نفرة بين عروبة العراق أم عراقيته ليكون ذلك الصراع محاولات لبناء هوية للعراق الحديث، ثم أعقبه في الحديث الدكتور رياض البلداوي الذي استعرض بعض مسببات الخلاف والصراع في الهوية العراقية معللاً البعض من ذلك للتطاحن الذي ولدته طبيعة التشكيلات الاجتماعية العراقية ذاتها، وشرح فكرته في هذا الأمر، مستنداً على خصوصية صراع البداوة والحضارة وتأثير مد الهجرات الوافدة على التركيبة السكانية، ومن ثم الآثار التي ترتبت جراء الغزو الثقافي للثقافة الفارسية والتركية وأيضاً البدوية، وأرفق في الأسفل خلاصة لما استعرضاه في هذا الشأن، وبعد استراحة قصيرة عاد الجميع لمناقشة ما تحدث فيه وحوله كلا الدكتورين.

وأشارت مداخلات الحضور إلى وجود إدراك عميق لموضوع صراع الهويات في العراق، سواء كان ذلك يتعلق بالتسلسل التاريخي لحوادث الصراع، أو تنازع الأضداد سياسياً واقتصادياً أو اجتماعياً، فقد أشار البعض لتغافل كلا الدكتورين، التطرق لدور ثورة العشرين وأيضاً الأحزاب السياسية في تشكيل الهوية الوطنية، ومن ثم إهمال البحث فيما أضفته الحربين العالميتين وكذلك دخول وسائل الإنتاج وإضافتها لخصوصيات جديدة على تركيبة بعض شرائح المجتمع العراقي وعموم الأمة العراقية، وأشار البعض لوجود نقص فيما استعرضه كلا الدكتورين فهما قدما لمحات تاريخية، ولم يجيبا عن السؤال المهم المتعلق أصلاً بوجود الهوية العراقية من عدمه. فتأسيس الدولة العراقية كان ومنذ البداية خاطئاً ومازالت تعتريه تلك الطبيعة المغلوطة، لذا يمكن القول بأن لا وجود لهوية وطنية عراقية موحدة، وليس هناك ظهور بائن لدولة مؤسسات، أيضاً من الصعوبة حل الخلافات على الحدود الجغرافية المتنازع عليها. ومن الضروري البحث في القواعد والمسلمات التي من الموجب أن تتأسس عليها أية هوية ثقافية ومن المهم أن لا نتغافل عن وجود صراعات بين مكونات الشعب العراقي ولذا نرى هذا الصراع طال وبشكل تدميري شرائح مجتمعية باتت بحكم الاندثار والاختفاء من الوسط العراقي من مثل المسيحيين والصابئة المندائيين وغيرهم.

ويفتقر العراق عكس لبنان لوجود هوية ثقافية واضحة الملامح ومتينة، رغم أن لبنان يتشابه مع العراق في سمات كثيرة اجتماعية كانت أم سياسية أو طائفية وحتى أثنية، وتطرق البعض لهجرة العراقي وتأثير ذلك على تركيبته النفسية، وأيضاً على وضعه الاجتماعي، فهو يخرج من محيطه الذي تكون بهوية محددة ترتبط بمنطقة ذاتها ودين ومجتمع وتقاليد وعادات وسلوك عام، ليدخل في خضم مجتمع جديد يختلف كلياً عن السابق، حينها يفقد هويته الوطنية ويصبح تحت واجهة اللاهوية. فنحن من جيل رخو الهوية وأبناؤنا يفتقدون الرابط الوطني ولا علاقة لهم بالهوية العراقية. وجاء حديث أخر يؤشر لعمق أزمة الهوية الوطنية العراقية، حيث يفتقد العراق للسلطة المركزية ذات السطوة والقوة والقدرة على السيطرة لمسك الأرض والحدود وفرض الأمن الذي يشكل واحداً من أهم أعمدة تركيبة الدولة واستقرارها ووحدة أرضها وهوية شعبها الجامعة، وتساءل هل إن ضعف السلطة في الوقت الراهن أضاع على العراقي هويته الوطنية؟

وكان هناك حديث أشار لقصور في عرض الأسباب التي استعرضها الدكتور البلداوي، حيث وضع أثناء العرض فواصل بين البداوة وأهل الريف، في الوقت الذي يخبرنا التاريخ الحديث أن سكان الريف هم امتداد طبيعي للهجرات البدوية التي قدمت إلى العراق، حيث بدا الاستيطان ثم الزراعة والاستقرار وشكلت تركيبات وملامح المجتمع الريفي، كما تطرق المتحدث إلى كون ثورة العشرين لم تكن ذات سمات عراقية مثلما وصفها الدكتور الناصري فهي ثورة غلب عليها الطابع الديني، ولم يتطرق الباحثان لموضوع الصراع الديني الذي حمل دائماً ما هو سالب وطاعن في محاولات تشكيل الهوية الوطنية. وكان هناك للبعض طعن في وجود تاريخ حقيقي للعراق كوطن، ولذا لن تكون هناك هوية وطنية أو ثقافية، وتساءل عن المكون الذي كان دائماً ضحية للسلطة التي شكلها الاستعمار، وذهب آخرون في تلمس ملامح الخلاف في الهوية الثقافية العراقية، عبر تناول الموسيقى والغناء مشيراً لعدم وجود وحدة متكاملة لهوية موسيقية ممكن أن يطلق عليها بالعراقية الجامعة الخالصة، فلكل مدينة عراقية طابعها الغنائي والموسيقي المميز، ولذا فهناك هويات ثقافية موسيقية متعددة، ولكن الحال أنها تجتمع في تشكيلة الوطن العراقي لتكون خصوصية لطابع الأغنية العراقية. وتطرق آخر لنزوع عدواني لدى بعض التشكيلات القومية أو الطائفية لسحق أو إذابة أحدها للآخر، واستعرض مذكراً بصراع الحضارات والدول على أرض العراق، واستمرار ذلك إلى الوقت الراهن، وكل ذلك صب ويصب في مشاريع تفكيك تشكيل الهوية الوطنية. ولكن وفي الحديث عن محاولات التأسيس ومن خلال التتبع التاريخي، نرى أن بناء الهوية في العراق لم يأخذ دوره الفعلي، ولذا لم يحدث فعل تراكمي تستقر بعده تلك الهوية، وتمت الإشارة لضرورة البدء بتعريف الهوية الوطنية قبل كل هذا الحديث، وما هي المشتركات في الهوية، هل هي المكان، الاقتصاد، المواطنة ، العادات والتقاليد والموروث وغير ذلك، وعند هذا أشير أيضاً وبرغم سمات الاختلاف والتنازع الظاهر في الهويات المجتمعية، فكل ذلك يقع ضمن هوية واحدة هي الهوية الوطنية العراقية، وهذا ينسحب على وحدة الهوية الثقافية، وأشار آخرون لمحاولات جادة تبذل من قبل جيران العراق والمحتل وغيرهم لطمس الهوية العراقية وتشتيت لحمة أبناءه، كذلك لا تخلوا مشاريع البعض من حكام وسياسيي العراق من مثل هذه الغاية.

وقدم للحضور مقترح حول تبني دعوة إلى تسامي الإنسان العراقي وترفعه فوق الطائفة والقومية ومختلف التشكيلات التي تسبب الصراعات وأن يبدأ السعي الجاد من قبل الجماعات والأفراد بترديد شعار (أناعراقي وأفتخر) ليكون لازمة وطنية راكدة في ضمير الإنسان. لنساهم ومن خلال هذه الدعوة  لبناء الإنسان العراقي في الداخل والخارج وفق منظورين الأول الإنسان المثالي: وهو ما يتطلبه الضمير الفردي، وما تؤكده الأديان والأعراف والتقاليد، أما الثاني وهو الإنسان الآلي: حيث تقع عليه مسؤولية تؤكد حقيقة وعيه بسلوكه العام وانتمائه الوطني حين يحترم وينفذ القوانين الوضعية ويضع الالتزام بها في سلم أولوياته. وفي مجرى النقاش أشار البعض لأسباب شكلت دائماً عوائق مهمة في عدم وضوح بل تهشيم وحدة الهوية الوطنية العراقية، بدأ من سعة وتشظي التشكيلات المجتمعية التي تنحوا دائما لإثبات هويتها الثقافية والاجتماعية دون الاهتمام بوحدة الوطن والهوية الوطنية الشاملة الحاوية له. واختفاء مشروع السوق الاقتصادية العراقية الموحدة، حيث لم يتبلور بشكل ناضج هذا النموذج الذي يشكل أهم عصب وقاعدة مكينة للروابط المجتمعية ووحدة هوية الشعب الوطنية. كذلك ما تعرضت له الطبقة الوسطى العراقية من تهميش وطعون وخسائر على يد السلطات الحاكمة ولعدة مرات. تلك الطبقة التي تعد الرافعة الأساسية في بناء الدولة المدنية الحديثة والداعية والمؤسسة لوحدة الهوية الوطنية.

وأعطي الوقت للدكتورين الباحثين للرد والتعقيب على بعض الأسئلة وما أثير من خلاف حول بعض المعلومات التي وردت في المعلومات التي قدماها. وأثناء تلك الردود تجدد وأثير التساؤل عن ما توصلت له الحوارية من نتائج، حيث بين البعض بأنه كان يترقب أو يود أن يجد حلول لهذه الإشكاليات العميقة حول اختلاف الهويات أو صراعها، وكان من المفترض التطرق لكيفية العمل على جسر الخلافات التي نجدها اليوم، ونراها وقد رحلت إلى خارج العراق، لتكون واحدة من المشاكل المسيئة والمؤذية التي تواجهها أيضا الجاليات العراقية في بلدان الشتات. عند ذلك بادر الجميع لوضع تصور عن حوارية قادمة لا تتعلق فقط باستعراض سبب ضعف وتشظي الهوية الوطنية العراقية، وإنما يصاغ للحوار القادم سؤال محدد: ما هي قدرة الإنسان العراقي على صناعة وتشكيل هويته الوطنية الموحدة؟ الكيفية، القدرات ، الدوافع ، الغايات، طبيعة التشكيلة، وأن يؤخذ وقائع الوقت الراهن الذي يمر فيه العراق، كمسبب لاستشراء الإمراض السياسية والمجتمعية التي طعنت وتطعن في الهوية الوطنية وتدفع لاضمحلالها، مع ضرورة أن تكون الحوارية القادمة حول هذه الموضوعة غير نمطية، فلكل من الحاضرين الحق في أن يقدم تصوره مكتوباً ويقدمه للنقاش ولا يوجد محاضر بذاته، بقدر ما يتحدد لكل متحدث فترة زمنية يتفق عليها، يخوض الجميع فيها غمار الإجابة على صلب السؤال، ليقدم تصوره واستنتاجاته لهوية عراقية ممكن تشكيلها في دولة يعاد بنائها من جديد بعد أن عمل المحتل الأمريكي على تفكيكها وجاراه بعض التكوينات العراقية والطائفية العراقية وكذلك سبق ذلك العديد من الأسباب التي استعرض بعضها وليس جميعها المشاركون.

وفيما يلي ملخص لما طرح من قبل الدكتور عقيل الناصري حول تاريخ صراع الهوية في العراق:

منذ الحضارات الأولى وانتكاساتها وإلى الغزوات الخارجية وبخاصة منذ سقوط بغداد في 1258، دخل العراق في الحلقة المفرغة للتخلف، وتشتت قواه الاجتماعية وهدمت القاعدة المادية التحتية، وتكاثرت النكبات الطبيعية والاجتماعية والحروب الداخلية والخارجية، مما عمق المشاكل الاقتصادية وتراجعت المؤسسات الاجتماعية وساد الجهل والتخلف وتوقفت بغداد عن عملية الإبداع المعرفي وتوقف العقل العراقي عن الجدل والسجال للمسائل الفلسفية واللغوية والكلامية، بمعنى أنهم لم يستطيعوا إنتاج وإعادة الإنتاج للقيم المادية والفكرية، وكان من نتائج ذلك انشطار المكونات الاجتماعية والتقوقع على الذات العشائرية الشبه مستقلة والمكتفية ذاتياً.

ويعتبر صراع الهوية من أهم القضايا المؤثرة في الوعي الاجتماعي وفي تجلياته الفلسفية والسياسية والحقوقية والجمالية وتمثل وسيلة للتطور والغاية للتوحد والحفاظ على الذات الجمعية، لدورها الحاسم في توحيد أو تشتيت القوى في مرحلة الانتقال نحو الدولة/ الأمة وهو بمثابة صراع مستمر على تحديد مسارات المجتمع السياسي وتوجهات التغيير الاجتماسياسي، طالما “لا يُطرح سؤال الهوية بقوة إلا حين تجد أمة ما نفسها في حالة تحوّل حضاري حاسم، أو حين تكون فكرة الأنا عن نفسها غائمة وملتبسة، أو حين تواجه تحديات كبرى لا قبل لها بها. وقد أصبحت الهوية اليوم في القلب من اهتمامات البحث النظري، وكذلك في القلب من ساحات الصراعات والحروب في ميداني الواقع والتاريخ، علينا أن نعي أن اتخاذ الموقع المركزي لموضوع ما، في زمن ما، داخل الحقل المعرفي تفرضه مقتضيات السياسة والمصالح والصراعات القائمة أكثر مما تفرضه الضرورات المجردة للمعرفة، كما أن التعاطي مع تلك الموضوعة معرفياً يمكن أن يكون، في إطار أجندات معينة، استراتيجيه سياسية في نهاية الأمر، لها آثارها في حقل المعرفة، وفي حياة المجتمع ومستقبل البلاد، على حد سواء، وبذا يستدعي مفهوم موقع الهوية في سياقنا النظري وأفق فهمنا الكلام عن الممرات والتخوم المشتركة ومناطق التفاعل”.

وهكذا كان العراق عند تأسيس حكومته المركزية في مطلع عشرينيات القرن المنصرم حيث كان الصراع الخفي لتحديد هوية البلد بكل مكوناته، واعتقد أن جدل هذه الإشكالية وتحديد هوية البلد، كانت من المسببات الأرأسية لعدم الاستقرار الاجتما سياسي طيلة فترة ما بعد تأسيس الدولة العراقية وبخاصة في الجمهورية الأولى( 14 تموز 1958- 9 شباط 1963) وما بعدها، عندما تنازعت النظرتان أعلاه فكريا وإضعاف المقابل عمليا بغية استمرارية الهيمنة. وتأسيسا على تاريخية الصراع هذا، يمكننا رصد، حسب رأي المستنبط والمستنتج من تاريخية الحركة السياسية لعراق القرن العشرين وإلى الوقت الراهن، ظهور مدرستان وسمتا هذا الحراك السياسي وصراعاته مع ذاته أو مع السلطة انطلقت:

– الأولى : من أولوية عراقية العراق ذو المكونات الاجتماعية والاثنية المتعددة.

– الثانية : قد انطلقت من أولوية عروبة العراق.

لمحات حول تطور الهوية الاجتماعية والثقافية  بعد تأسيس الدولة في العراق المعاصر

ملخص لمداخلة الدكتور رياض البلداوي

كان لتأسيس الدولة العراقية الحديثة بداية عشرينات القرن الماضي، أثار عميقة في تطور الوعي الوطني وتجميع العراقيين تحت مظلة الوطن الجديد. ولكن هذه الولادة للوطن الجديد، لم تستطع ولفترة طويلة أن تحل المشاكل المترتبة عن تجميع هذا النسيج المتنوع من مختلف الأعراق والديانات والأصول في هوية مشتركة واحدة تضم الجميع تحت مظلة وطن جديد موحد.

بحثي هذا سوف يتناول إشكاليات وتحديات تكوين الهوية الاجتماعية والثقافية في العراق الحديث. وبرأيي المتواضع، فإن الهوية الاجتماعية كانت دائما مشدودة تتجاذبها ثلاث قوى اجتماعية، هي الحضر أي سكان المدن القاطنين على ضفاف النهرين الخالدين والبدو أي قبائل البدو في غرب الفرات والجزيرة ومن ثم عشائر الريف بما فيهم فلاحون وملاك أراض أي وكلائهم.

الاختلافات في طبيعة العلاقات الاجتماعية لكل هذه المكونات انعكست كمحصلة لتأطير المحتوى الاجتماعي العراقي وأدت إلى تكوين الهوية الاجتماعية بكل تناقضاتها وخصائصها.

أما الهوية الثقافية فأنها ولدت أيضا تحت تأثير وتجاذب ثلاثة مصادر ثقافية وهي على التوالي، الثقافة الفارسية والتركية والعربية البدوية.

هذه الثقافات تداخلت مع بعضها لتكوين هذا التمازج الثقافي الذي لازال يؤطر وبشكل ما المكنون الداخلي للهوية الثقافية العراقية هذه المشاركة سوف تتناول وبشكل ما هذه الفرضيات وأصولها الثقافية ونتائجها كذلك التأثير الكبير للجغرافية  والتاريخ على جميع خصائص وتكوين الهوية الاجتماعية الثقافية العراقية.