الكومبس – ستوكهولم: اعتاد كثير من معارضي الرئيس رجب طيب أردوغان اللجوء إلى السويد كملاذ آمن لهم، لكن مخاوفهم تتزايد من إقدام الدولة الاسكندنافية على ترحيلهم إلى أنقرة كرسم دخول لانضمام ستوكهولم إلى الناتو، فهل تقدم السويد على هكذا ترحيل؟

بمجرد أن وطئت قدماه السويد فراراً من مصير قاس في بلده تركيا، اعتقد بولنت كينيس الذي كان يرأس صحيفة يومية ناطقة بالإنجليزية في تركيا، أنه سيشعر بالأمان ولن يساوره أي قلق بسبب وجوده في الدولة الاسكندنافية.

وخوفاً من مصير مجهول، هرب كينيس إلى خارج تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016 خصوصاً أنه جرى توقيفه ومحاكمته عام 2015 لانتقاده الرئيس. وفي مقابلة مع DW، قال رئيس التحرير السابق لصحيفة “تودايز زمان” إنه شعور في السويد وكأن المرأ يبدأ “حياة جديدة حيث طوى صفحة المخاطر التي كانت تلاحقه في تركيا”.

الخطر يلاحق الصحافي اللاجئ

لكن هذا الشعور لم يدم طويلا ففي فبراير، قامت السلطات في السويد بإبلاغ الصحافي التركي بأن حكومة بلاده تطالب بتسليمه ما يعني أنه سيتعين عليه توضيح السبب أمام المحكمة وراء رغبته في الحصول على حماية في السويد. وأضاف أن المحكمة العليا في السويد تنظر في قضيته حالياً. بيد أنه واعتبارا من الثامن عشر من مايو الماضي، تزايدت المخاطر أكثر على وقع إعلان أنقرة أنها ستمنع انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ما لم يتخذ البلدان عدداً من الإجراءات بينها تسليم أشخاص مطلوبين في تركيا.

ووافقت أنقرة في نهاية المطاف على بدءانضمام السويد وفنلندا إلى الحلف بعد اتفاق قادة الناتو خلال قمتهم في مدريد قبل أسابيع على دعوة البلدين رسمياً للانضمام إليه، فيما أبرمت تركيا اتفاقاً مع الدولتين الاسكندنافيتين لرفع اعتراضها على عضويتيهما. لكن أردوغان قال إن السويد تعهدت بتسليم أكثر من 73 شخصا لأنقرة، وإلا فإن باب الحلف سيغلق أمامها.

مذكرة تفاهم

يشار إلى أن مذكرة التفاهم المبرمة بين أنقرة وستوكهولم وهلسنكي لا تذكر هذا الالتزام، فيما تنفي الحكومة السويدية أنها قطعت على نفسها هذا التعهد. ولا يزال الغموض يكتنف قائمة أسماء تطلب تركيا من السويد تسليم أصحابها. بيد أن ما أصبح بولنت كينيس متأكداً منه يتمثل في أن اسمه ربما يكون مدرجاً في هذه القائمة حصوصاً أنه عثر على اسمه بين “المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إرهابية” في أنقرة.

وأضاف أن الحكومة التركية وجهت له العديد من الجرائم رغم نفيه أن يكون من أنصار رجل الدين التركي المعارض فتح الله غولن الذي يقيم حالياً في الولايات المتحدة ويتهمه أردوغان بتدبير محاولة الانقلاب ضده العام 2016. وفي مقابلته مع DW، قال كينيس “أنا صحافي وأكاديمي انتقد الأوضاع”، لكنه شدد أنه لا ينتمي إلى أي منظمة سياسية، مضيفاً “أعتقد بأن الحكومة السويدية كان يتعين عليها عدم ضم هذه المسألة إلى العملية القضائية.. لكنهم فعلوا!”

وأشار إلى أنه في الظروف العادية لن يساوره أي شكوك حيال نتيجة قضيته التي ينظر فيها القضاء السويدي، لكنه الآن بات “غير متأكد بنسبة مئة في المئة” من القرار النهائي. وأضاف “قامت السويد بتغيير حيادها قديم الأزل بالانضمام إلى الناتو وهو ما يعد تغييراً كبيراً وبراغماتياً في الوقت نفسه وهناك خطر من حدوث نتائج مفاجئة”.

قلق متزايد

ولا يعد بولنت كينيس الوحيد الذي يشعر بالقلق حيال مصيره ومصير المعارضين الأتراك الذين يعيشون في السويد. ففي مقابلة مع DW، قالت النائبة في البرلمان السويدي أمينة كاكابافه، وهي من أصول كردية إيرانية، إنها “قلقة للغاية” حيال تعامل حكومة بلادها مع أردوغان. وأضافت أنها تخشى من أن تجرى عمليات ترحيل لشخصيات تركية ستكون حياتهم في خطر حال عودتهم، رغم أن الحكومة السويدية تعهدت بعدم تغيير سياستها الحالية.

وكانت كاكابافه محل انتقاد لاذع من الرئيس التركي الذي وصفها بـ “الإرهابية” بسبب دعمها الجماعات الكردية حتى أن الاعلام التركي يتهمها بأنها عضوة في حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والاتحاد الأوروبي “منظمة إرهابية”. وأكدت كاكابافه رفضها هذه الاتهامات، مضيفة أن السفير التركي في السويد طلب تسليمها رغم أنها ليست مواطنة تركية. وأضافت أنها تتلقى اتصالات مستمرة من مئات الأشخاص الذين يشعرون بالقلق حيال سلامتها وسلامتهم خاصة في حال السفر خارج السويد، محذرة من أن إدراج اسمها على “قوائم أردوغان” يحمل في طياته مخاطر خاصة تعني أن بعض الحكومات الأجنبية الصديقة لتركيا قد تقبض عليها.

حضور بارز لحزب العمال الكردستاني

رغم أن عدداً قليلاً يرون أن سياسة اللجوء السخية في السويد ستتغير بسبب مطالب أردوغان، فإن هناك حالة قلق مشتركة بشأن فقرة جاءت في مذكرة التفاهم التي أبرمتها السويد وفنلندا وتركيا في مدريد. وتنص هذه الفقرة وهي الخامسة من المذكرة: “تلتزم فنلندا والسويد بمنع أنشطة حزب العمال الكردستاني وجميع المنظمات الإرهابية الأخرى وامتداداتها فضلاً عن الأنشطة التي يقوم بها أفراد سواء داخل جماعات أو شبكات على صلة بهذه المنظمات الإرهابية. وقد وافقت تركيا وفنلندا والسويد على تكثيف التعاون لمنع أنشطة هذه الجماعات الإرهابية “.

ويرى أراس ليند، المحلل السياسي في المعهد السويدي للشؤون الدولية، أن أنصار “حزب العمال الكردستاني” سيمضون قدماً في تحدي مدى التزام الحكومة السويدية وقدرتها على تنفيذ هذه الفقرة من الاتفاقية. وقال إن أردوغان قد يستغل هذه القضية خاصة مع قرب إجراء الانتخابات العام المقبل، مضيفاً “أنه يجيد هذه اللعبة حيث يعتقد أنها قد تكون محاولة لتشتيت الانتباه بعيداً عن ارتفاع التضخم الذي يفاقم من حياة الأتراك اليومية”.

وفيما يتعلق بقضية المعارضين الأتراك في السويد، قال ليند “أعتقد بأن معالجة طلبات التسليم ستمضي وفقاً للقانون السويدي والقانون الدولي. لا أظن أننا سنرى أي تغيير وأعتقد بأن تركيا هي الأخرى تتفهم ذلك”. ورغم هذه التطمينات، فإن الصحافي التركي المعارض كينيس لا يزال يخشى على مصيره في السويد خاصة أنه في سبتمبر المقبل سيعلم إذا كان بإمكانه البقاء بأمان في السويد أم لا؟ وفي ذلك، قال “الترحيل سيمثل نهاية لهذه الحياة الكريمة”.

وكانت رئيسة الوزراء السويدية مجدلينا أندرشون قالت في تصريح لراديو السويد في 6 يوليو الحالي إنه

“لن يتم تسليم أي مواطن سويدي. أعرف أن كثيراً من الأكراد في السويد يشعرون بالقلق وهذا مهم بالنسبة لي. إن كان الشخص مواطناً سويدياً فلا داعي للقلق إطلاقاً. وإن لم يكن سويدياً فستطبق السويد القانون السويدي والحقوق الدولية كما كانت تفعل دائماً”.

وأضافت “إذا لم يشارك الشخص في أي أنشطة إرهابية، وفقاً للتعريف السويدي للإرهاب، فلا داعي للقلق”.

تيري شولتز

ينشر بالتعاون بين مؤسسة الكومبس الإعلامية و DW