Lazyload image ...
2012-07-19

كشفت مصادر قيادية فلسطينية رفيعة المستوى أن واشنطن عبرت عن امتعاضها الشديد من فتح ملف اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في الوقت الذي تصب فيه إدارة أوباما جهدها على ملف الأزمة السورية والملف النووي الإيراني ومتابعة التحولات في مصر وليبيا والسودان.

كشفت مصادر قيادية فلسطينية رفيعة المستوى أن واشنطن عبرت عن امتعاضها الشديد من فتح ملف اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في الوقت الذي تصب فيه إدارة أوباما جهدها على ملف الأزمة السورية والملف النووي الإيراني ومتابعة التحولات في مصر وليبيا والسودان. وأضافت المصادر، في حديث خاص، أن واشنطن أرسلت رسائل في هذا الصدد إلى الرئاسة الفلسطينية ودولة قطر وعدد آخر من الدول العربية، أبدت فيها أيضاً استياءها من تحرك الرئيس محمود عباس لحشد موقف عربي يدعم توجه الفلسطينيين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لرفع مستوى تمثيل دولة فلسطين إلى مرتبة دولة غير عضو في المنظمة الدولية، بعد أن أفشلت واشنطن العام الماضي طلب العضوية الكاملة، بممارسة ضغوط هائلة على الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن، استطاعت من خلالها إفقاد الطلب نصاب التسعة أصوات المطلوبة للمصادقة عليه في حال لم تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو).

وتؤكد المصادر القيادية الفلسطينية أن هذين الملفين كانا من بين ما ناقشته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مع المسؤولين المصريين في زيارتها الأخيرة للقاهرة، وكذلك مع المسؤولين الإسرائيليين في زيارتها لإسرائيل، التي أعقبت زيارة القاهرة، حيث طلبت كلينتون من المسؤولين المصريين الضغط على الرئيس عباس لتأجيل تقديم طلب جديد للجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلبت بالمقابل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقديم "حوافز وبوادر حسن نية تُشجع الفلسطينيين على استئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل"، مثل إطلاق سراح أعداد كبيرة من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وتخفيف الحواجز الأمنية في الضفة، وتوسيع مجال تحرك أجهزة الأمن الفلسطينية، والسماح لأعداد أكبر من العمال الفلسطينيين بالعمل في إسرائيل.

وفي تقديرها للموقف، لا تخفي المصادر القيادية الفلسطينية أن على الفلسطينيين توقع معركة شرسة مع الولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول الاتحاد الأوروبي، حول تشكيل لجنة دولية للتحقيق في اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، عطفاً على سابقة تشكيل لجنة مماثلة عام 2005 للتحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.

وتنبه المصادر القيادية الفلسطينية إلى أنه حتى لو مرّرت واشنطن قرار تشكيل لجنة تحقيق هناك ثمة احتمال راجح بأن تفرغها من مضمونها بالضغط على الجهات المعنية لعدم التعاون معها، وفي الوقت نفسه رفض أي ضغط على إسرائيل الطرف المتهم بتنفيذ عملية اغتيال الرئيس الراحل عرفات. ويشار إلى أن مجلس الجامعة العربية عقد اجتماعاً طارئاً يوم الثلاثاء الماضي (17/7) على مستوى المندوبين الدائمين، بناء على طلب تونس، ودعا في ختام أعماله إلى "تشكيل لجنة مستقلة ومحايدة على مستوى الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال عرفات، تضم شخصيات بارزة ذات كفاءة، وبالتعاون مع السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات والمنظمات العربية والدولية، لمعرفة الحقيقة وعرض نتائجها على الأمم المتحدة".

ورغم نفي المصادر القيادية الفلسطينية واستنكارها القول إن فتح قناة "الجزيرة" لملف اغتيال عرفات أحرج منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، إلا أنها لا تنفي أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئاسة السلطة وحكومتها قصّرت، دون أي مبرر، في متابعة التحقيق بظروف ووقائع اغتيال الراحل عرفات، لكن المصادر، في سياق متصل، وجَّهت أصابع الاتهام إلى أطراف فلسطينية وعربية حاولت الإيحاء بأن مسؤولين في السلطة متورطون في جريمة اغتيال عرفات، واعتبرت المصادر أن إثارة مثل هكذا اتهامات "إفلاس أخلاقي" يسيء للقضية الفلسطينية وليس لأفراد بعينهم.

بخصوص ملف طلب رفع مستوى تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة، قالت المصادر الفلسطينية "إن الاستجابة للطلب مضمونة مئة بالمئة"، لأن غالبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة تؤيد الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، ونوهت المصادر إلى أن الطلب السابق الذي تقدمت به اللجنة التنفيذية العام الماضي لم يوضع في مسار تصادمي مع المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، بل في مسار داعم لها على أسس واضحة تحدِّد هدفها النهائي. وفي الإجابة على سؤال عن الخلافات الداخلية الفلسطينية التي ثارت العام الماضي حول هذا الملف، قلّلت المصادر من حجم الخلافات وموضوعيتها، واعتبرتها غير مبررة، لأن المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية اعتمد صيغة للتوجه إلى الأمم المتحدة نصها: "طلب عضوية دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة، وخاصة القرارات 181-242-338، مع التأكيد على المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية"، وهي صيغة متوازنة تلبي القواسم الوطنية المشتركة.

التأكيدات السابقة غير كافية من وجهة نظر القوى الفلسطينية المعارضة لخطوة التوجه إلى الأمم المتحدة، لأن القرار -حسب المعارضين في ملاحظات أثاروها فيما مضى- لا يستند إلى إستراتيجية فلسطينية واضحة لاستثمار ما سيترتب عليه من نتائج سياسية وقانونية، لذلك ثمة خشية بأن ينتهي الأمر بهذه الخطوة في نهاية المطاف للتوظيف في تكتيكات سياسية خاطئة تعيد إنتاج عملية أوسلو التفاوضية، التي وصلت إلى طريق مسدود في "كامب ديفيد 2" تموز/ يوليو العام 2000. خاصة أن كل التصريحات التي صدرت عن رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لا تضع قرار التوجه إلى الأمم المتحدة في تعارض مع المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية برعاية أميركية، إنما تضعها في إطار تحسين الشروط التفاوضية للفريق الفلسطيني المفاوض. وليس هناك ضمانات بأن لا يضر القرار بالمكانة القيادية والتمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن وفي مخيمات وتجمعات اللجوء في الشتات.

ويُذَكر المعارضون للتوجه إلى الأمم المتحدة بأن فريق أوسلو خاض في السنوات الأخيرة حرباً لتعزيز مكانة سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود على حساب مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، في التمثيل السياسي والدور الذي كانت تقوم بها مؤسساتها الوطنية، حيث أصبحت كل السفارات الفلسطينية في دول العالم تابعة لـ"وزارة خارجية السلطة"، وكذلك تمثيل دولة فلسطين في المنظمات والمؤتمرات العربية والإقليمية، وتمّ تجفيف أموال ومنابع الصندوق القومي الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وربطت كل موازنات دوائر المنظمة بـ"وزارة مالية السلطة"، التي تعمل وفق تعليمات صارمة من "الدول المانحة"، بمراقبة لصيقة من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل الممسكة بقنوات التحويلات المالية للسلطة.

حملنا معنا أقوال المصادر الفلسطينية وردود المعارضة عليها إلى لقاء خاص مع زعيم فلسطيني مخضرم. الزعيم المخضرم لم ينف مشروعية مخاوف المعارضين، لكنه تمنى عليهم أن يدققوا فيها جيداً، فليس صحيحاً أن رفع مستوى تمثيل دولة فلسطين سيمس بالصفة التمثيلية الشاملة لمنظمة التحرير، بل على العكس سيعززها، فاللجنة التنفيذية للمنظمة هي المتفق عليها بصفة "حكومة دولة فلسطين" بناء على إعلان الاستقلال في دورة الجزائر للمجلس الوطني الفلسطيني 1988، ورفع تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة من مرتبة عضو مراقب إلى مرتبة دولة غير عضو سيدعم حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني، لكن هذا بحاجة إلى إستراتيجية فلسطينية لاستثمار ذلك، وهذا مطلب غالبية الفصائل والقوى الفلسطينية، وليس مطلب قوى تحاول أن تحتكر راية المعارضة.

وفي الموقف من الدعوات والمساعي المبذولة لتشكيل لجنة دولية للتحقيق في اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حذّر الزعيم الفلسطيني المخضرم من التراخي في وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء هذا الملف الذي أدمى، ومازال يدمي، قلوب كل الفلسطينيين والعرب وأحرار العالم. وختم بالقول: "الولايات المتحدة أمام امتحان فتح تحقيق دولي جاد لجلاء ملابسات جريمة اغتيال الرئيس الراحل عرفات، التي تشير كل خيوطها بوقوف حكومة شارون وراءها. والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والعالم كله أمام امتحان الاعتراف المستحق للفلسطينيين بدولة مستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس.. وعلى الفلسطينيين والعرب والمسلمين وكل دعاة الحرية والسلم والعدل في العالم أن يخوضوا هاتين المعركتين حتى النهاية".

عامر راشد

أنباء موسكو

19 يوليو 2012

Related Posts