الكومبس ـ صحافة سويدية: اتهم الكاتب السويدي الشهير يان غيّو، وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بوهلين، بمحاولة استعادة تسليط الأضواء حوله، عبر مشهد جديد، حين مرّ، بطريقة استعراضية، قرب مجموعة من المتظاهرين المؤيدين لفلسطين، بجانب البرلمان السويدي، ثم التقط بنفسه مقطع الفيديو الذي تحوّل إلى مادة إعلامية ضخمة أشعلت الجدل حول حرية التظاهر.
وقال الكاتب ضمن مقال نشرته مؤخرا صحيفة أفتونبلادت إن الضجة الكبيرة التي أحدثها الوزير أكبر بعشرة مرات مما أثير حول محاولات دهس لمتظاهرين مؤيدين لفلسطين، وهذا يؤشر إلى “تراجع خطير في الوعي السياسي العام في السويد”
فيما نشرت الصحيفة نفسها، مقال رأي للكاتب يوهان شويلاندر، رئيس مركز الأبحاث التابع لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين “تايدن”، وجّه فيه أيضا انتقادات حادة لنفس الوزير كارل-أوسكار بوهلين معتبرًا أنه يشكّل “مشكلة أمنية” في لحظة تُعدّ الأخطر على السويد منذ عقود.
دور الوزراء يجب أن يعلو
ويرى شويلاندر أن دور الوزراء يجب أن يعلو فوق الحسابات الحزبية، وألا ينحرف عن المهمة الأساسية: حماية الديمقراطية السويدية وتعزيز أمن البلاد. لكن أداء بوهلين—بحسب الكاتب—يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، من خلال “سلوك يقوّض الثقة بالصحافة الحرة” ويضعف قدرة السويد على مواجهة حملات التضليل المتزايدة.
وكان أحدث مثال على ذلك اتهام الوزير لصحيفة داغنس نيهيتر بأنها جزء من “عملية تأثير اشتراكية ديمقراطية”، وهو اتهام وصفه الكاتب بأنه غير مسؤول ولا يليق بعضو في الحكومة. ويذكّر الكاتب أيضًا بحادثة أخرى أثارت جدلًا واسعًا، حين شارك بوهلين منشورًا لناشط بارز في حركة “السلطة البيضاء”، ثم دافع عن ذلك قائلًا إن “هوية المرسل غير مهمة”.
لكن هيئة الحماية المدنية والاستعداد للطوارئ (MSB) تحذّر بشكل واضح—كما يذكّر المقال—من إعادة نشر أي محتوى صادر عن جهات غير جدية أو متطرفة، حتى إن بدا بريئًا، لأن مجرد مشاركته يمنح تلك الجهات شرعية قد تُستغل لاحقًا في حملات تضليل، تمامًا كما حدث في حملة LVU التي استهدفت ثقة الناس بالمؤسسات السويدية.
تجاهل نصائح الخبراء
ويرى شويلاندر أن وزير الدفاع المدني بذلك يتجاهل نصائح الخبراء ويضعف قدرة السويد على صدّ حملات التأثير الخارجية، مشيرًا إلى أن دولًا مثل روسيا وإيران تستثمر في هذه الأساليب بشكل مكثف.
ويحمّل الكاتب رئيس الوزراء أولف كريسترشون المسؤولية، معتبرًا أن استمرار بوهلين في منصبه رغم هذه الأخطاء المتكررة يضعف مصداقية الحكومة في أهم ملف استراتيجي: الأمن الداخلي. ويدعو شويلاندر كريسترشون إلى “فعل ما هو صائب” وتعيين وزير جديد “يتعامل مع المهمة بجدية”.
ويختتم مقاله بالقول إن بوهلين قد يكون سياسيًا مناسبًا في مواقع أخرى، “لكن ليس كوزير مسؤول عن أمن البلاد الداخلي.”
يان غيّو: مسيرة بوهلين المهنية تقول الكثير عن زمن بلا أيديولوجيا
الكاتب السويدي المعروف يان غيّو قدم قراءة من زاوية مختلفة للوزير نفسه، في مقال على أفتونبلادت، معتبرًا أن مسيرة كارل-أوسكار بوهلين تكشف طبيعة الزمن السياسي الذي نعيشه: زمن تحكمه الضجة الإعلامية أكثر من الأفكار.
يذكّر غيّو بأن بوهلين كان سياسيًا مجهولًا إلى أن اعتلى منصة مؤتمر الشعب والدفاع عام 2024، وظهر بمظهر درامي: رأس محلوق، لحية كثيفة، نظرات حادة، وحديث عن هجوم روسي وشيك. هذا الظهور، كما يرى الكاتب، كان أقرب إلى عرض مسرحي منه إلى خطاب سياسي.
“كان اختراقه الإعلامي مدهشًا. وربما كان الفضل في ذلك يعود إلى مظهره وأسلوبه أكثر مما قاله في خطابه. برأس محلوق ولحية سوداء كثيفة ونظرات حادة سوداء، بدا وكأنه خُلق ليظهر على الشاشة.”
مشهد تمثيلي
الكاتب قال إن الوزير بوهلين عاد مجددًا بمشهد تمثيلي جديد. إذ توجه أولًا إلى ميدان “مينت تورغت” قرب مبنى البرلمان، حيث كانت هناك مجموعة صغيرة من المتظاهرين المؤيدين لفلسطين. كما بدا في نشرات الأخبار، رافقه عدد من رجال الحراسة. هناك أشعل من جديد نظراته الجامحة ومشى بخطوات مستقيمة بطيئة تشبه خطوات الأيائل حين تتحدّى بعضها قبل الاشتباك.
بعد ذلك بقليل عاد إلى المكان، لكن هذه المرة بلا حراسة، وتعمّد أن يراه المتظاهرون المؤيدون لفلسطين، ثم بدأ – على حد قوله، العودة إلى المنزل”. عدد قليل من المتظاهرين وقعوا بالطُعم، فلحقوا به مرددين عبارات مثل “عارٌ عليك!” و “إن الإبادة الجماعية مستمرة ويداك ملطختان بالدم!”.
ويتابع الكاتب: فقام كارل-أوسكار بولين بتصوير الحادثة بنفسه بمهارة، وحوّلها بهذه اللقطات إلى مادة خبرية ضخمة في جميع القنوات التلفزيونية وصفحات عديدة من المقالات الغاضبة، وتبعتها تصريحات أشدّ من سياسيين سارعوا إلى الوقوف إلى جانبه مطالبين بطرد المتظاهرين الفلسطينيين وتقييد حرية التظاهر للبعض. ثار جدل وضجيج كبير. لقد فعلها بولين من جديد.
ويذكر الكاتب أن الوزير قام بحيلة أخرى، حيث وضع مشبك ربطة عنق على شكل نجمة داوود، وعرضه على الإنترنت مرفقًا بتحدٍ جديد إذ امتدح “المثال الجميل” الذي ضربته زميلته الوزيرة المحافظة آنا تينجه بارتدائها نجمة داوود.
ويرى الكاتب أن التفسير الفوري لمثل هذا العرض العلني أثناء مجازر جارية واضح: هو موقف سياسي مؤيد لإسرائيل. فنجمة داوود هي رمز دولة إسرائيل أيضًا.
ويعتبر الكاتب أن لبّ الموضوع هو سلوك الطريق الذكي نحو الشهرة وهذا ما يمكن وصف به الزمن الذي نعيش به، موضحا:
في الماضي كان السياسيون ينالون شهرتهم بفضل التزامهم الأيديولوجي الواضح، وغالبًا بفضل براعتهم الخطابية أيضًا. كان ذلك ينطبق على يالمار برانتينغ وكارل ستاف وأولوف بالمه وبيرتيل أولين.
أما اليوم فلم يعد ذلك ممكنًا. لم تعد هناك أيديولوجيا تستحق النضال من أجلها، بعد أن أصبح المحافظون والاشتراكيون الديمقراطيون متفقين تمامًا على القضايا الكبرى: تشديد العقوبات على كل الجرائم المحتملة من قبل المهاجرين، ملاحقة الأجانب بشكل مكثف، ضرائب منخفضة على كل “الناس المجتهدين”، وجيش أقوى.
أما الصراع على منصب رئيس الوزراء القادم فلا يدور حول الأيديولوجيا، بل حول من يستطيع القول إنه “الأكثر توافقًا والأقدر على الحكم”. أي القدرة على صناعة الإثارة واستثمار المخاوف وكراهية الأجانب.
ويعتبر الكاتب أن العقوبة على خطايانا هذه هو حصولنا على مهرّجين مثل كارل-أوسكار بولين. “فعلى ماذا استند في قفزة المهنية غير على الأنانية وكراهية الأجانب المنتشرة؟”
ويختم قائلا: كون كراهية الأجانب كانت المحور التكتيكي في سعي الوزير المهني، فهذا يكشف أيضًا عن أمر مقلق جدًا في غياب الوعي السياسي في زمننا. لقد أثارت حيلة مشبك ربطة العنق غضبًا واهتمامًا في البلاد أكبر بعشر مرات مما فعلته محاولتا دهس متظاهرين مؤيدين لفلسطينيين بسيارتين في بوروس وهلسينبوري. من لا يعرف عن تلك الحوادث، لكنه يعرف عن مشبك بولين، وهم على الأرجح معظمكم، عليه حقًا أن يسأل نفسه: لماذا؟ يتساءل الكاتب