الكومبس – خاص: يستعد الشاب السويدي أصل سوري براء دبس للاحتفال بتخرجه طبيباً في معهد كارولينسكا في ستوكهولم، بعد نحو عشر سنوات من وصوله إلى البلاد قادماً من مدينة حلب.
وصل براء إلى السويد نهاية 2015 حين كان في الخامسة عشرة من عمره ليبقى برفقة شقيقه الأكبر معتز، كما أراد والداه اللذان بقيا في سوريا.
وبين تحديات اللغة والمجتمع الجديد والابتعاد عن العائلة، بدأ رحلة بناء مستقبل جديد في السويد، ليحتفل اليوم بتحقيق هدفه والتخرج في الطب.
صعوبة البدايات
يقول براء إن الأشهر الأولى في السويد كانت صعبة، لكن صغر سنه ساعده على تعلم اللغة والاندماج بسرعة. كما لعب دعم أحد معارف أقاربه في مدينة مالمو دوراً مهماً في مساعدته على التعرف إلى المجتمع واستخدام اللغة بشكل يومي.
ومنذ سنواته الدراسية الأولى، برز تفوقه في المدرسة، حيث تمكن بعد إنهاء المرحلة الإعدادية بنتائج عالية من الالتحاق بالثانوية. واستطاع دخول أحد أكثر البرامج تفوقاً في جنوب السويد، وهو برنامج “Natur Science” في مدرسة “S:t Petri Läroverk” بمدينة مالمو. وكان القبول يتطلب معدلات شبه كاملة كما يقول.

خلال المرحلة الثانوية، شارك براء في مسابقة علمية على مستوى السويد، ووصل إلى المراحل النهائية ضمن مسابقة “Unga Forskare” الخاصة بالعلماء الشباب في السويد، وهي مسابقة تهدف إلى اختيار الفريق الوطني العلمي للشباب. كما حصل على جائزة من “Malmö Rotaryklubb” تقديراً لإنجازاته الدراسي ودوره الإيجابي كنموذج يُحتذى به بين الشباب.
إلى جانب ذلك، شارك في أنشطة مدرسية مختلفة، وأصبح قائداً لفريق الشباب بكرة القدم في مدرسته.

خبرة عملية خلال الدراسة
يقول براء إنه منذ وصوله إلى السويد لم يمضِ صيفاً واحداً دون عمل، مشيراً إلى أن انخراطه المبكر والمتواصل في سوق العمل منحه خبرات واسعة في مجالات متعددة.
خلال المرحلة الثانوية، عمل مترجماً لمساعدة القادمين الجدد، وتأمين مصدر دخل إضافي خلال دراسته. كما عمل في منظمات إنسانية كالصليب الأحمر السويدي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR.
واختبر كذلك وظائف صيفية متعددة قبل دخوله المجال الطبي خلال سنوات الدراسة الجامعية، حيث شغل مهام مساعد في الرعاية الصحية ومساعد تمريض.

“المنافسة كانت عالية”
بعد انتقاله إلى ستوكهولم، التحق براء بكلية الطب البشري في معهد كارولينسكا، أحد أبرز المؤسسات الطبية والأكاديمية في العالم، وهي من أعلى الجامعات المتخصصة في الطب والعلوم الصحية تصنيفاً في السويد وأوروبا.
يقول براء إن الدراسة في كارولينسكا تختلف عن المراحل السابقة بسبب وجود نخبة من أفضل الطلاب القادمين من مختلف أنحاء السويد، مشيراً إلى أن المنافسة كانت عالية، لكن الهدف المشترك للجميع تمثل في النجاح واستكمال المسيرة الطبية، مضيفاً أنه تمكن من تحقيق معدلات دراسية مرتفعة خلال سنوات الدراسة.
كما أجرى بحثاً علمياً حول سرطان البنكرياس، وهو المجال الذي عزز اهتمامه بعلم الأورام بعد التعمق فيه. ويأمل مستقبلاً في التخصص بجراحة الأورام، والمساهمة في دعم مرضى السرطان خلال مراحل العلاج.
“المقبرة غيرت نظرتي للحياة”
وعن اختياره مهنة الطب، يقول براء إن الدافع لم يكن مرتبطاً بالمكانة الاجتماعية التي غالباً ما تُنسب إلى هذه المهنة، والتي يسمعها الأطفال كثيراً في محيطهم، خصوصاً في حلب، حيث اعتاد سماع عبارة “إن شاء الله تكبر ونشوفك دكتور”. بل جاء قراره من قناعة إنسانية تشكلت لديه في سن الـ17.
يروي براء أنه في ذلك العمر قرر زيارة المقبرة ليرى المكان الذي ينتهي إليه الإنسان في آخر رحلة حياته. وعندما وقف أمام قبر لا يتجاوز طوله مترين وعرضه متراً واحداً، تغيّرت نظرته إلى الحياة.
يقول “عندما رأيت القبر، فهمت أن الإنسان لن يأخذ معه مالاً ولا بيتاً ولا سيارة ولا أي متاع من الدنيا. حينها أدركت أن ما يبقى حقاً هو الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين، والخير الذي يقدمه لهم. ومنذ ذلك اليوم تأكدت أنني أريد أن أصبح طبيباً، لأساعد الناس وأترك ذكراً طيباً بينهم”.
ويضيف أن أهم ما يجب أن يفعله الطبيب هو الاستماع إلى المريض وتصديق روايته وعدم إصدار أحكام مسبقة، معتبراً أن الثقة المتبادلة تشكل أساس العلاقة الناجحة بين الطبيب والمريض.
“السويد منحتني فرصة حقيقية”
رغم سنوات الابتعاد عن والديه، يشدد براء على أن دعم عائلته كان العامل الأبرز في نجاحه، موجهاً الشكر لوالديه وشقيقيه معتز ويمان على مساندتهم المستمرة في مختلف المراحل.
ويقول إن السويد منحته فرصة حقيقية لتحقيق طموحه وتطوير قدراته، ويأمل أن يرد الجميل من خلال خدمة المجتمع والعمل طبيباً يساهم في تحسين حياة الآخرين.
ريم لحدو
Rim@alkompis.com