Lazyload image ...
2012-06-10

فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات اللجنة السياسية والأمنية المشتركة بين دولتي السودان لن يكون نهاية المطاف، فمباحثات الوفدين، التي رعتها في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا لجنة الوساطة الأفريقية برئاسة الرئيس السابق لجنوب أفريقيا ثابو امبيكي وبمشاركة مبعوثين ومراقبين دوليين، اتصفت بطابع استكشاف المواقف وتقييم نتائج جولات المفاوضات السابقة كتمهيد لاستئناف المفاوضات

فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات اللجنة السياسية والأمنية المشتركة بين دولتي السودان لن يكون نهاية المطاف، فمباحثات الوفدين، التي رعتها في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا لجنة الوساطة الأفريقية برئاسة الرئيس السابق لجنوب أفريقيا ثابو امبيكي وبمشاركة مبعوثين ومراقبين دوليين، اتصفت بطابع استكشاف المواقف وتقييم نتائج جولات المفاوضات السابقة كتمهيد لاستئناف المفاوضات، ومازال يوجد متسع من الوقت للوصول إلى تفاهمات تسمح باختراق تفاوضي لصالح تسوية الملفات العالقة خلال أربعة شهور تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2046)، خاصة أن الطرفين أبديا استعدادهما لجولة جديدة يجري التحضير لانعقادها في غضون أسبوعين، وجدّدا تعهداتهما بإنهاء الأعمال العدائية.

عوامل مساعدة على النجاح..

رغم ما طفا على السطح من تباعد مواقف وفدي البلدين في الجولة الأولى، إلا أن عوامل كثيرة تساعد على نجاح المفاوضات، ومن بين تلك العوامل:

أولاً: السقف الزمني الذي حدَّده مجلس الأمن، وتهديد المجلس بفرض عقوبات على الجانبين في حال انقضاء المهلة دون اتفاق.

ثانياً: الأوضاع الداخلية الضاغطة على حكومتي الخرطوم وجوبا لانجاز السلام، فحكومة سلفا كير حضرت إلى طاولة المفاوضات بموقف أضعف، بعد خسارتها السياسية المريرة لمعركة هجليج، واضطرارها لسحب قواتها بضغط من الهجوم العسكري المعاكس الذي شنه الجيش السوداني، وضغط دبلوماسي إقليمي ودولي عرّى محاولتها افتعال حرب مع الجارة اللدود لتعليق أزماتها الداخلية على مشجب الخرطوم، من رفض قبائل الجنوب الكبرى (الشلك والنوير) لهيمنة قبيلة الدينكا نوك، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والصراع الجنوبي-الجنوبي بين القوات الحكومية ومليشيات انشقت عن الجيش الشعبي لتحرير السودان.. الخ.

ثالثاً: حكومة الخرطوم بدورها تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ومن التمرد الجماعات الانفصالية في دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وعودة الإدارة الأميركية لتسخين ملف اعتقال الرئيس البشير، ودخول الصين، أكبر شريك اقتصادي للسودان، على خط الوساطة بين الخرطوم وجوبا بموقف متوازن يضغط على الجانبين لتثبيت حلول وسط ومتفق عليها بخصوص الملفات الخلافية.

رابعاً: تحرص لجنة الوساطة الأفريقية في آليات عملها على أن لا تعيق الخلافات في الملف الأمني تحقيق تقدم في الملفات الأخرى، ولتفادي ذلك تركز اللجنة على تحقيق انجازات في الملفات الأقل تعقيداً، للتأثير إيجاباً في مجرى المفاوضات عملاً بمبدأ قانون "الأواني المستطرقة"، وهو ما عبَّر عنه مبعوث الأمم المتحدة إلى دولتي السودان هايلي منقريوس بالقول: "إن أي اختراق يحدث في أحد الملفات ستكون نتائجه جيدة سير المفاوضات".

خامساً: المتابعة الحثيثة للمفاوضات، حيث سيوضع مجلس الأمن مرّة كل أسبوعين بصورة سير المفاوضات، وتنفيذ الخرطوم وجوبا لـ"خارطة الطريق" التي تبناها مجلس الأمن والسلام التابع للاتحاد الأفريقي.

أفضلية للخرطوم في الوضع التفاوضي..

بالنظر إلى النقاط السابقة، ونقاط أخرى لا يتسع المجال لذكرها، تظهر حاجة الدولتين إلى اتفاق حول المسائل المعلقة، إلا أن الوضع التفاوضي يمنح الخرطوم أفضلية على جوبا لعدد من الأسباب منها:

-خطوة تقديم وفد الجنوب خارطة جديدة للحدود بين البلدين مغايرة للخارطة التي أقرَّت في اتفاق السلام الشامل بينهما، (نيفاشا) 2005، لم ترفض فقط من جانب الوفد السوداني، إنما رفضتها أيضاً لجنة الوساطة الأفريقية بشكل واضح في المقترحات التوفيقية التي طرحتها، متضمنة نقاط الاتفاق في رأي الطرفين المتفاوضين بشأن موقفيهما من المنطقة الحدودية العازلة والحدود المشتركة، ومقترحات من أجل مساعدة الطرفين في تحديد الخطوات المستقبلية، استندت إلى حدود الأول من كانون الثاني (يناير) 1956.

-إعطاء الأولوية للملف الأمني نقطة تقاطع بين مواقف الخرطوم ولجنة الوساطة الأفريقية والمبعوث الخاص للأمم المتحدة، ففي أكثر من تصريح لأعضاء في لجنة الوساطة والمبعوث الدولي تمّ التأكيد على أن تحقيق السلام غير ممكن دون ضمان أمن الطرفين، بالتوقف عن الأعمال العدائية وإيواء جماعات التمرد المسلحة.

-عدم التوصل إلى اتفاق في شكل ودي ضمن المهلة الزمنية المحددة في القرار (2046) سيعني إحالة القضايا التي ستبقى عالقة لتحكيم "اللجنة العليا للتنفيذ التابعة للإتحاد الأفريقي"، علماً بأن مواقف جوبا من معظم قضايا الخلاف مع الخرطوم لم تلق تعاطفاً أفريقياً.

-التغيرات في تونس ومصر وليبيا صرفت أنظار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي عن السودان، وستظل الأولوية في المدى المنظور للغرب منصبة على تطورات الأوضاع في هذه البلدان بالإضافة إلى سورية واليمن والملف النووي الإيراني، ويستفاد من ذلك أنه ليس من مصلحة تلك الدول انفجار الوضع بين دولتي السودان، بل الاستقرار لحين الانتهاء من الملفات الملحة.

-تواجه حكومة جنوب السودان بوادر خطر انتشار مجاعة حذّر منها البنك الدولي في تقريره الأخير، ويتوقع الخبراء أن لا يستطيع نصف السكان توفير الغذاء اللازم خلال الشهور الثلاثة القادمة، وسيزيد من سوء الأوضاع نجاح حكومة السودان في تطبيق خطة منع تهريب المواد الغذائية للجنوب، وعجز جوبا عن تأمين شركاء اقتصاديين من الجوار الإقليمي لتعويض قطع العلاقات مع الخرطوم، وقد أقر بذلك رئيس وفد جوبا إلى المباحثات باقان اموم معترفاً بأن "يوغندا وكينيا لا تعوضان ما يقدمه السودان للجنوب".

– الدخول في حرب شاملة بين البلدين، إذا خرجت أي احتكاكات عسكرية عن نطاق السيطرة، يلحق ضرراً أكبر بدولة جنوب السودان التي يعيش أكثر من ستين بالمئة من سكانها في المناطق الحدودية مع شمال السودان.

الجميع يربح أو الجميع يخسر..

يبقى أن نقول: إن طرفي النزاع في مركب واحد، إما أن يربحا معاً بتحقيق السلام، وإما أن يخسرا معاً بالعودة إلى دائرة حرب أزهقت أرواح ملايين البشر، وبدّدت الثروات الوطنية.. تخيير بين الحياة والنماء أو الخراب والمجاعة والموت، البحث معه عن مكاسب تكتيكية وآنية فيه خسارة إستراتيجية للشعبين.

لقد خسر شمال السودان جنوبه وخسر الجنوب شماله بالحرب فهل يربحان بالسلام؟ هذا ما يتمناه السودانيون في الشمال والجنوب ونتمناه معهم.. أمنية سهلة التحقيق إذا امتلكت حكومة الخرطوم وحكومة جوبا ما يكفي من الوعي بمتطلبات السلام.

عامر راشد

أنباء موسكو

10 يونيو 2012

Related Posts