Lazyload image ...
2015-11-06

الكومبس – تحقيقات: لا تملك وأنت تستمع الى مُرهف عساف، ( يقيم في السُويد منذ 14 عاما )، وهو يحكي قصة الرعب التي خاضها في قوارب الموت لجلب والدته للسويد، من سوريا، الا أن تشاركه الحزن والدموع، وتفرح معه لنجاحه في تلك المغامرة التي تكللت أمس بالنجاح بعد أن نجح في الوصول الى بر الأمان، بعد رحلة عذاب حقيقية لامسا فيها الموت بأعينهما.

يقول عساف لـ”الكومبس”، إنه لم يلجأ لهذه الطريقة غير بعد أن أغلقت في وجهه جميع الطرق القانونية لإستقدام والدته، المُقعدة والوحيدة في سوريا.

ويضيف: “أحترم وأحب السويد وقوانينها كثيراً، وأتمنى أن تسامحني على ما فعلته بعد أن إستنفذت كل الطرق القانونية في جلب والدتي الى هنا. لم أفعل ما فعلت الا من أجل إنقاذ أمي من الحياة التعيسة التي كانت تعيشها في سوريا لوحدها، وهي تنتظر الموت في كل لحظة، حيث أعيش أنا وأخوتي في السويد. إستحق الأمر مني المجازفة بحياتي، تلك أمي وأنا أبنها وعلي مساعدتها”.

“لجأنا الى قوارب الموت بعد فشل كل الطرق الأخرى”

إستغرقت رحلة عساف، التي بدأت من السويد ولحين وصوله سالماً مع والدته الى إليها من جديد، التي وصلاها يوم أمس، شهراً ويومين بالتحديد، عاش خلالها ووالدته ضروب مختلفة من المصاعب والعوائق التي لا يعرف خطورتها وقسوتها غير من يمر بها.

يقول عساف الذي فضل منح الأفضلية لـ “الكومبس” في نشر قصته، رغم أن جهات صحافية أخرى حاولت الحديث معه بهذا الخصوص: “سافرت من السويد بشكل نظامي، ووصلت الى تركيا، حيث كنت قد رتبت الأمر على أن أقابل والدتي في المطار هناك، بعدها توجهنا الى أحد الفنادق وتمكنا من الحصول على جواز لوالدتي من قبل أحد المهربين، وكلفني ذلك ألفي دولار.

وفي اليوم التالي، توجهت مع والدتي المريضة والمقعدة على كرسي متحرك والتي لا تقوى على ممارسة الروتينيات الحياتية التي يمارسها الشخص العادي دون مساعدة من شخص آخر، توجهت الى المطار وتمكنا من المرور بسلام من نقطة التفتيش الأولى، الا أن أمرنا كُشف عند نقطة التفتيش الثانية، حيث لاحظ الضابط فرق السن بين والدتي وصورتها في الجواز، عندها رجعنا أدراجنا وعدنا مرة ثانية الى الفندق، حيث لم يكن أمامي هذه المرة غير خوض تجربة قوارب الموت وحمل والدتي الى ضفة الأمان”.

12202238_10206912016735375_485322339_n copy

رعب حقيقي

لم تدرك والدة عساف، بأن أبنها سيركب معها القارب الذي سيقلها الى أحد الجزر اليونانية، لأنها لم تشأ أن يكون أبنها معها في تجربة تعرف والدته تمام المعرفة، بأنها قد تنتهي بعواقب كارثية.

يتابع عساف: كانت والدتي تقول لي بأن الموت واحد، سواء أكانت في سوريا أو في قوارب الموت، لكنها تفأجات كثيراً وهي تراني أصعد معها الى القارب، عندها صرخت بي أن أنزل وأن اتركها لوحدها، وعندما أخبرتها بأن الوقت قد فات على ذلك، حملتني أمانتها بأن أتركها عندما يصيب القارب أي مكروه.

يتوقف عساف عند هذه النقطة، ويكمل وصوته المتحشرج بالدموع، ويقول: “صعدت مع والدتي المقعدة على كرسيها المتحرك الى قارب، بالكاد يسع لنحو 20 شخصاً، فيما كان المهربون قد حشروا فيه ما يزيد عن 45 شخصاً، فإستمرت نحو ثلاث ساعات في عمق البحر، عشنا خلالها رعبا يفوق الخيال”.

ويتابع: لا يمكن تصور الرعب الذي قد يحس فيه المرء وهو على متن أحد هذه القوارب وخاصة في الليل، الأولاد يصرخون خائفين، والرجال يبكون على أولادهم، والأمهات يحضنن أولادهن بقوة خوفاً من سقوطهن في البحر، قوارب غارقة هنا وهناك، قوارب أخرى أبحرت قبلنا أو بعدنا بساعات، غرقت وواجه أصحابها نهايات مأساوية، الصورة أقسى وأكثر سواداً مما قد توصف. البحر يكون هادئاً وجميلاً في البداية، لكنه يصبح متمرداً ومتموجاً وكأن يد الموت تحركه عند الوصول الى منتصف المسافة، حينها يبدأ حينها الرعب الحقيقي.

وصل عساف مع والدته وجميع من في القارب سالمين الى إحدى الجزر اليونانية النائية، قادمين من أزمير التركية، معتقداً أنه تمكن من شق الجزء الأصعب من الرحلة، لكن ما واجهه في الطريق لاحقاً، يحيل تجربة قارب الموت الى فصل في كتاب من عدة فصول من تجارب موت أخرى لكن بطعم مغاير.

111111

طرق وعرة

يقول عساف: ” واجهت صعوبة كبيرة في نقل والدتي وتحريك كرسيها المتحرك على الطرق الوعرة والصخرية التي كان لا بد من أن نسلكها ولمسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات قبل أن نصل إلى أول نقطة مأهولة بالسكان، لم أقوى على التحمل أكثر، سقطت متعباً وكدت أن أستسلم في ظل البرد الشديد والجوع والعطش، حتى أن والدتي لم تتمكن من أخذ دواءها، تخلصنا من البحر، الا أن صعوبات أكثر وأكثر واجهتنا.

وبمساعدة من أحد الأشخاص الذين كانوا مع عساف في القارب، الذي أستقدم سيارة للشرطة، تمكن من قطع الطريق ونقل والدته بالسيارة الى بر الأمان، بعدها واصلا رحلتهما مارين بدول حدودية عدة، لم يقوى عساف على تذكرها بالتدريج، لكنه يعرف أنه مر بكرواتيا وصربيا ومقدونيا وسلوفاكيا والنمسا والمانيا والدنمارك فالسويد”.

ويضيف: ” كنا نتنقل بالباصات، لكن طوابير الإنتظار للصعود فيها كانت طويلة جداً، وقد يتطلب الأمر في بعض الأحيان الإنتظار ليوم كامل حتى يأتي دورك. وعند المناطق الحدودية كان علينا أن نسير على أقدامنا ونعبر الحدود.

الأجواء كانت باردة جداً في الليل، ورغم الخيام والبطانيات التي كانت المنظمات الدولية والصليب الأحمر توزعها على المهاجرين، الا أن البرد كان أقسى من أن يُعالج بذلك. أعطوا لكل شخص منا بطانيتين، لكني أعطيت حصتي لوالدتي التي كنت أخاف أن تمرض أكثر ونحن في الطريق.

Skärmavbild 2015-11-06 kl. 15.08.11 copy

“الألمان إعتقدوا إنني مهرب”

وفي ألمانيا عاش تجربة خاصة حيث “إعتقدت الشرطة بعد أن أطلعت على جنسيتي السويدية بأنني مهرب، وقامت بحجزي ليوم كامل، فيما وضعت والدتي في غرفة أخرى، حاولت أن اشرح لهم بأني لست بمهرب وبأني اريد فقط إيصال أمي الى السويد، لكنهم لم يتمكنوا من فهم ما الذي يعنيه أن يتكبد شخص كل تلك المخاطر في سبيل إيصال شخص آخر الى بر الأمان أن لم يكن مهرباً.

ولكن يبدو أن التحقيقات التي قامت بها كشفت لهم الحقيقة، حينها قدموا لي صنوفاً مختلفة من المساعدة، وأمنوا لوالدتي الأطباء والنقل. بعدها إنطلقنا بالقطار من المانيا الى كوبنهاغن ومنها الى السويد، حيث سلمت والدتي نفسها لدى مصلحة الهجرة، تاركة بصمات أصابعها”.

يقول عساف:” حبي للسويد وإحترامي لهذا البلد الجميل تزايد كثيراً بعد الرحلة الطويلة والشاقة التي قمت بها مع والدتي وإستماعي الى قصص الناس والظروف الحياتية التي يعيشون فيها وإطلاعي على نماذج مختلفة من تصرفات شرطة دول أخرى مع المهاجرين. الظروف في تلك البلدان أسوء مما قد تقود إليه التصورات، الموت ظل ثقيل قد يواجه الإنسان في كل يوم هناك، وما دام الموت واحداً لماذا لا يخاطر الإنسان بحياته التي تحسب في عداد المنتهية في بلده.

أم مرهف تتحدث للكومبس

يبدو صوت أم مرهف واهناً يعكس حجم الحزن والأهوال والتعب الذي عاشته وهي التي تركت بلدها في هذا العمر وفي مثل هذه الظروف ناهيك عن وضعها الصحي.

تقول: “أنا متعبة جداً من الطريق. كان صعباً جداً. وضعي في سوريا كان صعباً كثيراً، خفت أن أُترك بالشارع لوحدي، لم يبق لي أحداً هناك، ربي يرضى على مرهف. واجهنا الموت مرات عدة في طريقنا حتى وصلنا الى السويد”.

 

الكومبس – لينا سياوش

Related Posts