Lazyload image ...
2012-05-16

تستحق الذكرى الرابعة والستون لاحتلال فلسطين وقفة تفكير في زمن الثورات لوضع بعض النقاط على الحروف. ولو تمّ الامر بالتنقيط السريع.

تستحق الذكرى الرابعة والستون لاحتلال فلسطين وقفة تفكير في زمن الثورات لوضع بعض النقاط على الحروف. ولو تمّ الامر بالتنقيط السريع.

÷ أولا: لقد انتهى ما يسمّى «عملية السلام» العربية الاسرائيلية بانهيار اتفاق أوسلو والاستعصاء على الجبهة السورية ـ اللبنانية. عاش اتفاق أوسلو في الوقت المستقطع بين نهاية الحرب الباردة وإعلان «الحرب الكونية على الارهاب ». قام الاتفاق أصلا على إيثار منح القيادة الفلسطينية سلطة بديلا من منح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير. وتم الارتداد الاسرائيلي عليه مع تولي نتنياهو الحكم وتأجيل الانسحابات والتعجيل في عجلة الاستيطان المستمرة والمتصاعدة. وفيما أمل الطرف الفلسطيني بدولة لقاء وقف الانتفاضة، تصوّر الطرف الاسرائيلي ان الوظيفة الرئيسة للسلطة الفلسطينية هي حماية أمن إسرائيل. وحماية أمن إسرائيل كانت ولا تزال هي المشروع الوحيد الذي تملكه إسرائيل، مدعوما بالولايات المتحدة، فلسطينيا وعربيا وإقليميا؟

÷ ثانيا: لم يكتفِ اتفاق أوسلو بتكريس الحل الثنائي الفلسطيني ـ الاسرائيلي، على غرار اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة، وفصله عن النزاع العربي الاسرائيلي بعامة. شرّع لكل أشكال التملّص والتطبيع والتواطؤ والتخلي العربية الرسمية من هذا النزاع بحجة عدم المزايدة على أصحاب القضية أنفسهم.

÷ ثالثا: أفضت خطة تسليم الولايات المتحدة «كل الاوراق» على اعتبارها الطرف الوحيد القادر على فرض التنازلات على إسرائيل لإيجاد حل عادل للنزاع العربي الاسرائيلي، الى النتيجة المتوقعة: استحوذت أميركا على كل «الأوراق»، عنوة أو طوعا، حتى أنها قضت على ادعاء أنها «الوسيط النزيه» عندما تبيّن للفلسطينيين انهم يفاوضون عمليا محورا أميركيا ـ إسرائيليا مشتركا. وبدلا من ان يكون هذا منعطفا يستوجب التخلي عن الخطة والضغط بالاتجاه المعاكس على الولايات المتحدة، اتجه الضغط في اتجاه مغاير، وصار السائد عربيا، على الصعيد الرسمي أقلا، استعجال الخلاص من القضية الفلسطينية من أجل الانتهاء من آخر نقطة خلاف مع الولايات المتحدة.

÷ رابعا: اتضح مدى الخطل الاصلي في معادلة الارض «مقابل السلام» عندما تكشّف أن لا إسرائيل تحتاج الى السلام ـ بل أخطر ما يتهدد وجودها هو إقامة علاقات طبيعية مع محيطها ـ ولا العرب قادرون على منحها السلام. فمن يهب السلام هو من يستطيع ان يصنع الحرب أو أن ينتصر فيها. هكذا انتهت صلاحية «مبادرة السلام العربية» التي صاغها ملك العربية السعودية وتباهى صحافي اميركي سطحي ودجّال انه أوحى بها وشارك في صياغتها: الانسحاب من كل الاراضي المحتلة العام ١٩٦٧ مقابل كل السلام، الاعتراف والتطبيع الكاملين.

÷ خامسا: لا تملك إسرائيل مشروعا للاستسلام. لمحمود درويش قول مأثور في هذا الموضوع. كان يقول متحدّيا: أروني اين هو مشروع الاستسلام الاسرائيلي لأوقّعه. ما تملكه إسرائيل مشروع لفرض الامر الواقع الزاحف من اجل المزيد من الاحتلال الاستيطاني، والتوسع، والتهويد للجليل والنقب، والسعي لتحويل العداء لها الى عداء لايران، والتمسك باحتكار السلاح النووي، والاهتمام بنوع خاص من التقارب مع أنظمة النفط الاستبدادية والسعي لامتصاص ما تستطيعه من سيولتها.

÷ سادسا: النكبة الكبرى التي تحل بقضية فلسطين وبالنزاع العربي الاسرائيلي هي الآن انها معيشة في إلحاح حاضر يمنّن نفسه بغدً ألفي خرافي: حسم عسكري يأتي بين ليلة وضحاها. ولعل أبرز سؤال جدير بالتفكّر فيه هنا هو كيف الخروج من نفق «الان الان وليس غدا !» ليصير «الآن» طريقا يؤدي الى غد بدلا من انتظار لفرجٍ يأتي من الغيب.

÷ سابعا: دلّت تجربة العقود الاخيرة، لمن لا يزال يتوهم، ان الدكتاتوريات وأنظمة الاستبداد السلالية العربية قوية فقط ضد شعوبها، تهدّد بتفكيك وحدة تلك الشعوب خلال انهيارها او لتمسكها الدموي بالسلطة. وعكسا، فالقوى التي دمّرت العراق وليبيا أنظمة ديمقراطية، وأقواها أنظمة فيدرالية فوق ذلك.

÷ ثامنا: وهو بيت القصيد، حملت الانتفاضات دلالات جديدة متباينة لقضية فلسطين والنزاع العربي الاسرائيلي.

فقد كشفت على الملأ مدى البون الذي أحدثته اتفاقية أوسلو والحلول الثنائية بين القضية الفلسطينية ومصالح وقضايا فئات واسعة من الجماهير العربية. يظهر الامر مجسّما اذا ما نظر اليه من منظار التعارض الذي درجت عليه اوساط عدة بين داخل وخارج. فكيف يعاد الوصل بين داخل أطلق حممه البركانية وبين ما يبدو انه خارج راكد؟

لعل أولى الخطوات هي تحرير فلسطين من بعض الاوهام. ومنها وهم الاجماع وملحقه، الفَزْعة البدوية. كم مرة أكدت التجارب القريبة والبعيدة ان الطريق الى فلسطين، وأي حلّ بصددها، تتوسطه أنماط الانظمة العربية القائمة ونوعية ارتباطها بالقوى الغربية وطبيعة توازن القوى القائم بين الدول العربية واسرائيل. وثمة وهم فلسطين «الرافعة» التي سوف تثوّر الشعوب العربية وتنوب عنها في تحريرها. وهو الوهم الذي يرى في كل سلاح معادلا للتغيير إن لم نقل للثورة.

ببساطة: فلسطين ـ بما هي قضية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الذي هو آخر الشعوب المستعمَرة على هذه الكرة الارضية والذي يواجه المنظومة الامبريالية كلها ورأس حربتها في المنطقة ـ هي التي تحتاج الى روافع عربية واقليمية ودولية لتصمد في مقاوماتها قبل ان نتحدث عن أي تعديل لموازين القوى بينها وبين اسرائيل، وليس العكس.

وليست فلسطين «جوهر» القضية العربية، لأن هذه الجوهرية تترجم أغلب الاحيان بالاخترال. وكل اختزال يعني استخدام فلسطين للتغطية على الوجوه الاخرى من منظومات الاستتباع والاستغلال الغربيين وأنظمة الاستبداد المحلية. ولا فلسطين بوصلة. اللهم الا اذا تصورنا ان البوصلة انما تؤشر الى ان تحرير الشعوب العربية من التبعية والاستبداد هو العملية التي تقود الى فلسطين.

لا حرج في القول ان الحاجة ملحة لاعادة الاعتبار للسياسة وللمخيلة السياسية.

هذا يعني التحرر من الوحدانية العسكرية في التعاطي في النزاع العربي الاسرائيلي. ان الاختلال الكبير في موازين القوى بين شعوب المنطقة واسرائيل يمكن تعديله على مستويات ليست تستثني المقاومات المسلحة ولكنها لا يحق لها ان تنسى ان المعيار الاخير هو توازن القوى العسكري والستراتيجي بين الدولة الصهيونية وبين مجموع الشعوب العربية او قل الدول المجاورة لفلسطين المحتلة في اقل تقدير. وهنا لا يجوز الخلط بين دفاع وهجوم، او بين مقاومة وتحرير.

أضف الى هذا كله ان منطق «الان الان وليس غدا !» شكل العذر الكبير لاحتقار السياسة ورفض التفاوض بالمطلق. في حين ان السؤال هو التفاوض من اي موقع قوة؟ واعتماد الوسائل السياسية من اجل تحقيق اية اهداف؟ ولنقل ان هدفا يستحق العمل من اجله، في ظل الثورات الراهنة، هو حشد القوى والنضال بالضغط الشعبي من اجل وصل النضال الفلسطيني والصراع العربي الاسرائيلي مع النضال على امتداد المنطقة العربية من اجل العمل والحرية والخبز. ليس من حلول سحرية هنا ولكن الاكيد ان هذا السعي يفترض التخلي عن وهم التناقض بين المهمات والاهداف واستكشاف مدى تداخلها وخدمة الواحدة منها للاخرى.

ليس من جواب على السؤال التقليدي: ما العمل؟ ثمة اجوبة، مطلعها اطلاق المخيلة بقدر ما أطلقت في الثورات لابتكار وسائل واشكال نضالية جديدة وملبية لقراءة متأنية للظروف الراهنة.

فما الذي يمنع الضغط من اجل انطلاقة حملة عربية، رسمية وشعبية، تحت شعار شرق أوسط متحرر من السلاح النووي؟ او حملة مماثلة للمطالبة بنزع سلاح المستوطنين اليهود الاسرائيليين بما هم يشكلون تهديدا للامن الوطني الفلسطيني وللامن القومي العربي والاقليمي لدول المنطقة وشعوبها؟ وما الذي يمنع مطاردة كافة أشكال التطبيع عربيا، من أقاصي اليمن الى ذرى كردستان العراق مرورا بكل الدول النفطية واحدة بعد اخرى؟ هذا درءاً لفضيحة من يريد من الاجانب ان يحققوا مهمات اكثر تطرفا او شمولية مما هو مستعد لتحقيقها.

وإعادة الاعتبار للسياسة تعني ايضا اللجوء الى قوة السلب والى الجرأة والمغامرة. وهذا درس آخر من دروس الثورات. ماذا لو أعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية وحماس، معاً ومن طرف واحد، تعليق المفاوضات مع السلطات الاسرائيلية؟ بل ما الذي يحول فعلا دون إطلاق حملة تطالب بتعليق مبادرة السلام العربية، بعد ان اغتالتها اسرائيل ومثّلت بجثتها مرارا؟

من جهة اخرى، لقد ألهمت فلسطين جيلين اقلا من الشباب العربي الثائر لينتفض في أرضه ومن اجل قضايا واهداف شعبه. لم يبق لها الآن الا ان تستعيد من يد الشباب العربي ما قد أودعته اياه.

ليست الانتفاضة الفلسطينية الثالثة وهماً من الاوهام بقدر ما هي ضرورة وطنية ملحّة. انها شرط الامكان لاعادة توحيد الشعب الفلسطيني والاستعداد لقلب المعادلات.

فواز طرابلسي

السفير اللبنانية -16 مايو/ أيار 2012

Related Posts