المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: هل تتخيل أن تصل إلى قاعة الجامعة، لتكتشف أن معيار النجاح لم يعد فهم النص، بل القدرة على إخفاء حقيقة أنك لم تقرأه؟
هذا ليس سيناريو مستقبلياً، بل هو واقع تُوثّقه اليوم دراسة سويدية رسمية صدرت في مايو 2026 عن هيئة الإشراف على الجامعات السويدية Universitetskanslersämbetet، والمكتب المركزي للإحصاء SCB، بتكليف حكومي مباشر.
لم يأتِ هذا الكلام من انطباعات عابرة. فقد نشرت صحيفة Tidningen Näringslivet في 29 مايو 2026 تقريراً اعتمد على دراستين رسميتين: إحداهما صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء السويدي SCB في أبريل 2026، والأخرى عن هيئة الإشراف على الجامعات السويدية UKÄ حول علاقة الطلاب بالأدبيات الجامعية.
والرقم الذي تكشفه هذه التقارير لا يحتاج إلى كثير شرح: أربعة من كل عشرة أساتذة جامعيين يرون أن مستوى القراءة والكتابة لدى طلابهم قد تراجع خلال السنوات الخمس الأخيرة.
لكن ما يقلق أكثر من الرقم نفسه أن بعض الأساتذة لم يكتفوا بملاحظة هذا التراجع، بل بدأوا يغيّرون مناهجهم وأساليب تقييمهم حتى تتناسب مع هذا الضعف. أي أن الجامعة، بدلاً من أن ترفع الطالب إلى مستوى المعرفة، بدأت أحياناً تنزل بالمعرفة إلى مستوى الطالب. وهنا تبدأ الكارثة الصامتة.
قد يبدأ المشهد بصورة تبدو طريفة في ظاهرها: أستاذ جامعي يلغي كتاباً مقرراً لأنه “صعب جداً”، أو يختصر ورقة بحثية من عشر صفحات إلى ثلاث لأن الطلاب لم يعودوا قادرين على التركيز.
وقد نبتسم حين نسمع عن طالب تاريخ يطلب من أستاذه استبدال كتاب من مئتي صفحة بمقاطع فيديو، لأن القراءة الطويلة “ترهقه”.
لكن الطرافة هنا خادعة، لأننا حين نصل إلى لحظة يصبح فيها طالب التاريخ عاجزاً عن قراءة التاريخ، فإن المشكلة لم تعد في الطالب وحده، بل في المسار الطويل الذي أوصله إلى الجامعة بهذا الشكل.
كأكاديمي وباحث، أرى أن ما يحدث اليوم في الجامعة السويدية ليس وليد اللحظة. الجامعة لا تفشل فجأة، بل تستقبل نتيجة سنوات طويلة من الضعف القرائي.
السويد التي كانت تصدّر نموذجاً تعليمياً عالمياً، أصبح لديها اليوم كل تلميذ رابع في المرحلة الابتدائية لا يمتلك مستوى القراءة الأساسي.
هؤلاء الأطفال لم يختفوا؛ لقد كبروا فقط. تدرجت الأزمة معهم كظلّ من الحضانة إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى قاعة المحاضرات، حتى طرقت بوابات التعليم العالي.
وهنا يظهر الوجه القاسي لما يمكن أن نسميه “الأمية الجديدة”.
ليست أمية من لا يعرف الحروف، بل أمية من يستطيع القراءة من الناحية التقنية، لكنه لا يستطيع احتمال كتاب كامل.
طالب يقرأ الجملة، لكنه لا يصبر على الفقرة. يفتح النص، لكنه يبحث فوراً عن الملخص. يعرف كيف يكتب بريداً إلكترونياً أنيقاً، وربما منشوراً لامعاً على وسائل التواصل، لكنه يتعب أمام نص أكاديمي كثيف يتطلب صبراً وتأنياً وبناءً بطيئاً للمعنى.
ما الذي تغيّر إذن؟ في رأيي، عاملان تسارعا معاً: شاشة التهمت الكتاب، وذكاء اصطناعي جعل الهروب من القراءة أكثر أناقة.
الطفل الذي يتربى على السرعة، والمكافأة الفورية، والتنقل بين المقاطع، لا يدخل الجامعة بعقل محايد. يدخل بعقل تدرّب على القفز لا على البقاء.
ثم نطلب منه فجأة أن يقرأ كتاباً كثيفاً بصبر وتركيز، كأننا درّبناه طوال عمره على سباق المئة متر ثم طلبنا منه ركض ماراثون معرفي.
لا عجب أن يتعب؛ فالعضلات مختلفة، والعقل مثل الجسد يتشكل بما ندرّبه عليه.
من هنا لا أرى الدعوات إلى تقييد الشاشات لدى الأطفال، خصوصاً دون الثانية عشرة، حنيناً رومانسياً إلى زمن الورق.
القضية ليست أن الكبار يحبون رائحة الكتب ويريدون فرضها على الأطفال. القضية هي حماية قدرة الطفل على التركيز، وعلى تحمل البطء، وعلى بناء علاقة طويلة مع اللغة.
لا أطالب بحظر شامل، بل بتنظيم ذكي يميز بين الاستخدام التعليمي الموجه والاستخدام الترفيهي المفرط.
كما نحمي الأطفال من التدخين وسوء التغذية، علينا أن نحمي عقولهم من الإدمان الرقمي المبكر، وأن نقوي مناعتهم الرقمية.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي الذي يكون السبب الأساسي في خلق أزمة القراءة، لكنه كشفها وعمّقها.
صار الطالب يستطيع أن يطلب من ChatGPT تلخيص الكتاب المقرر، ثم كتابة الورقة البحثية، ثم يسلّم النص إلى أستاذ قد يستخدم بدوره أداة ذكاء اصطناعي لتقييمه.
والنتيجة دائرة معرفية مغلقة: لا طالب قرأ، ولا أستاذ صحح بعمق، ولا عقل بشري مرّ فعلاً بتجربة التعلم.
هذا ليس تعليماً بل محاكاة ساخرة للتعلم وللتعليم.
والخطر الأكبر ليس في هذه الصورة الفاضحة فقط، بل في الاستخدام اليومي الهادئ: “لخص لي هذا الفصل”، “اشرح لي هذه الفقرة”، “أعد صياغة هذه الجملة”.
كل خطوة تبدو بريئة، بل مفيدة أحياناً، لكن مجموعها قد يضعف قدرة الطالب على مواجهة النص والتفكير فيه.
وهنا لا يغش الطالب الأستاذ فقط؛ بل يغش عملية التعلم نفسها.
لذلك يجب أن نميز بين طالب يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تفكير مكملة بعد أن يقرأ ويفكر ويكتب مسودته الأولى، وطالب يستخدمه كبديل عن التفكير لكي لا يواجه صعوبة النص أصلاً.
الأول يستعين بالآلة، أما الثاني فيستقيل لصالحها.
لهذا لا يمكن أن نحمّل الجامعة وحدها مسؤولية هذه الأزمة، ولا أن نطلب منها أن تصلح في قاعة المحاضرات ما تراكم منذ الحضانة والبيت والمدرسة.
الجامعة هنا ليست بداية المرض، بل المكان الذي تظهر فيه أعراضه بوضوح.
فهي تستقبل طالباً تعوّد على الشاشة أكثر من الكتاب، وعلى السرعة أكثر من الصبر، وعلى الملخص أكثر من النص.
لذلك لا يكفي أن نغيّر طريقة التدريس في الجامعة، بل نحتاج إلى تدخل مبكر: تنظيم ذكي للشاشات، دعم حقيقي للكتاب، تشخيص مبكر لصعوبات القراءة، وسياسة واضحة للذكاء الاصطناعي تقوم على مبدأ بسيط: الآلة خادمة للعقل، وليست بديلاً عنه.
وما يجري في السويد اليوم يعلّمنا أن الإنفاق على التعليم لا يكفي إذا كانت ثقافة القراءة تتآكل في البيت والمدرسة والمجتمع، وأن التكنولوجيا من دون أساس قرائي راسخ قد تتحول من أداة لمحو الأمية إلى آلة لإنتاج أمية جديدة؛ أمية أنيقة وسريعة وواثقة من نفسها، لكنها لا تحتمل كتاباً كاملاً.
السؤال ليس هل نستطيع إصلاح هذا؛ نستطيع.
لكن الإصلاح لن يحدث بالشعارات ولا بالخوف من التكنولوجيا، بل بسياسات واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات، وبمسؤولية بيداغوجية تعلّم الطالب متى يستعين بالآلة ومتى يجب أن يواجه النص بعقله هو.
فالمشكلة اليوم أن كثيراً من المؤسسات التعليمية ما زالت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كتقنية فقط: أداة نسمح بها أو نمنعها، برنامج نكشف به الغش أو نستخدمه للتصحيح.
لكنها لم تصل بعد إلى السؤال الأعمق: ماذا يحدث للتعلم نفسه حين يصبح بإمكان الطالب أن يتجاوز القراءة والكتابة والتفكير بضغطة زر؟
هنا تبدأ المسؤولية البيداغوجية.
لذلك نحتاج إلى الشجاعة لنقول للجيل الجديد إن التعلم سيظل يحتاج إلى جهد، وإن القراءة ليست عقوبة، وإنه لا يوجد اختصار يمكن أن يحل محل أن تفكر بنفسك.
فالطالب الذي لا يقرأ اليوم لن يختفي؛ سيكبر فقط، وسيجلس غداً في قاعة الجامعة، ثم في موقع العمل، وربما في موقع القرار، ومعه قدرة مذهلة على طلب الملخصات، وضعف مخيف في بناء الفهم.
د. العيد بوعكاز
استناداً إلى تقرير Tidningen Näringslivet ودراستي UKÄ وSCB، مايو 2026