المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: بين السياسة والثقافة، بين الهامش والمركز، يعود “أسبوع يارفا” هذا العام في نسخته التاسعة، محوِّلًا ضاحية سبونغا شمال غرب ستوكهولم إلى مساحة مفتوحة للنقاش الوطني، ومنصة تعبّر عن وجه السويد كما هو: متعدّد، متنوّع، يبحث عن عدالة حقيقية تتجاوز الأقوال إلى الأفعال.
فالسويد التي تُروى في الإعلام ليست بالضرورة هي التي تُعاش على أرض الواقع.
من 11 إلى 14 يونيو 2025، لا تتجمّع الحشود لأجل مهرجان فني أو حملات انتخابية، بل من أجل التقاء الأفكار والتجارب والتطلعات في مكان واحد. هنا، تُروى قصص من الهامش السويدي، الذي غالبًا ما يُصوَّر كـ”مشكلة”، بينما هو في الواقع احتياطي الأمل، ومصدر هام من مصادر التغيير المقبل.
ما لا تقوله السياسة.. تقوله يارفا
“أسبوع يارفا” بدأ قبل أقل من عقد كمبادرة محلية، لكنه سرعان ما تحوّل إلى ظاهرة وطنية تعبّر عن حاجة المجتمع لحوار حقيقي – لا بين السياسيين وحدهم، بل بينهم وبين من يعيشون تبعات السياسات يومياً.
هذا العام، تستمر فعاليات المهرجان لتشمل الندوات السياسية، والعروض الثقافية، ومهرجانات الأطفال، وورش العمل، وفرص التوظيف. لكنه يظل، قبل كل شيء، منبرًا للواقع الاجتماعي كما هو، دون تزيين أو اختزال.
الأرقام لا تُجامل
أبرز ما يميّز “أسبوع يارفا” هو شجاعته في عرض الحقائق التي لا يُريد أو يُحرج البعض من ذكرها. ففي بعض استطلاعات الرأي المرتبطة بالحدث: أن 21 ٪ من الشركات تنظر سلباً إلى المتقدمين ذوي الأسماء الشرق أوسطية، 32 ٪ منها تتحفّظ على المتقدمين المسلمين، و 42 ٪ تعتبر لهجة الضواحي عاملاً سلبياً في فرص التوظيف.
ومع ذلك، فإن 51 ٪ من ذوي الخلفيات الأجنبية ممن استُطلعت آراؤهم أعلنوا استعدادهم للدفاع عن السويد حتى الموت – بنسبة تفوق مثيلتها لدى السويديين من أصول محلية، في حين ينبذهم البعض ويُسمّي أماكنهم بـ”المناطق الضعيفة”.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها مرآة لمجتمع لا يزال ممزّقاً في بعض جوانبه بين سرديات رسمية وحقائق معيشة يومياً.
الضواحي ليست عبئاً.. بل طرفاً فاعلاً في المعادلة
في ندوات “يارفا”، لا يُطلب من سكان الضواحي أن يبرّروا وجودهم أو يُثبتوا انتماءهم، بل هي فرصتهم القيمة التي يعرضون بها قدراتهم، ويناقشون فيها مصاعبهم في فرص التعليم والعمل، كما يتحاورون عن مصطلحات مثل “المناطق الضعيفة”، وعن الفجوات التي لا تُردم بخطب رسمية رنانة.
وفي العام الماضي 2024 ، عُقدت جلسة رمزية بعنوان “أصوات من الضواحي” باللغة العربية، تأكيداً على أن النقاش يجب ألا يُقاس بلغة واحدة في مجتمع متعدد الثقافات، بل بما يمكن أن يُعبَّر به أو يُقال في مثل هذه التجمعات.
الديمقراطية كما يجب أن تكون
ليس من الغريب أن تحضر قيادات سياسية بارزة إلى “أسبوع يارفا”، من ستيفان لوفين إلى مجدلينا أندرشون، إلى تيارات اليسار والوسط والبيئة، ولا حتى أن يصعد خطباء من تيارات متشددة أو أكثر تشدداً، كما فعلت ليندا ليندبيري من حزب SD في 2024، حين ربطت الهجرة بالجريمة، متجاهلة كل ما يُبذل من جهود طيبة ونجاحات مميزة متواصلة لسكان الضواحي من أصول مهاجرة.
الفارق هو أن “أسبوع يارفا” لا يُقصي أحداً، لكنه لا يُجامل أحداً أيضاً.
في هذا الفضاء، تُعرض الخطابات وتُقام النشاطات لعامة الناس، لا للنخب فقط، كما تنتشر حلقات الحوار البنَّاء، في ساحة لا تخضع لفلترة أو تعليب إعلامي.
الشباب ليسوا “أمل المستقبل” فقط
في “يارفا”، يُمنح الشباب ما هو أكثر من الوعود: تُتاح لهم ورشات للتوجيه المهني، ولقاءات مع الشركات، وفرص لصياغة مستقبلهم بأيديهم. الشباب هنا لا يُطلب منهم الانتظار، بل يُدعون للمشاركة الفورية، بواقعيتهم ومطالبهم وأصواتهم.
السويد كما هي.. لا كما تُروى
موسيقى، رقص، مأكولات عالمية، تبادل ثقافات، عُروض سينمائية، لعب وضحك أطفال، تقدم وازدهار – كل هذا ليس هامشًا في “يارفا”، بل جوهر. لأن هذه التعددية ليست استثناءً سويدياً، بل جزءاً لا يتجزأ من تعريفها الحقيقي لنفسها.
رسالة الضواحي إلى الوطن
“نحن هنا”، هكذا تقول الضواحي في يارفا. لا تطلب امتيازات، بل اعترافاً. لا تعرض شكوى، بل تُؤكد شراكة مباركة. لا تصرخ في فراغٍ، بل تُعمق من مبادئ الوفاء والعطاء، كما تطرح تساؤلات جوهرية على ساسة الوطن ووجهائه:
هل نريد حقاً مجتمعاً متماسكاً؟ هل نؤمن بالتنوع كقيمة؟ هل نعترف بالمواطنة في كل أوجهها، أم فقط حين تشبهنا؟
ليس ختاماً.. بل بداية متجددة
أسبوع يارفا ليس مجرد فعالية سنوية، بل اختبار مفتوح لضمير مجتمعنا السويدي – ألا يقيس مدى اندماج الآخر، بل مدى استعدادنا جميعاً للاعتراف بالآخر كشريك.
إن قوة السويد لم تكن في تشابهها، بل في تماسك تنوّعها. وفي “يارفا”، تنجلي هذه القوة دون أقنعة: قوة حيّة، شجاعة، وقادرة على طرح ما لا يُريد – أو لا يجرؤ – بعض الساسة على طرحه أو قوله.
معًا، السويد أقوى، دون تمييز ولا طبقية.
طاهر أبو جبل