المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
جريمة إحراق الطبيبة الشابة من مدينة الموصل في العراق على يد طليقها، قبل أيام قليلة، وهو طبيب أيضًا، لم تمر كخبر عابر. خلال ساعات اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي في العراق والمهجر، وتحول الحدث إلى صدمة جماعية، لا بسبب بشاعة الفعل فقط، بل لما يحمله من دلالة مؤلمة: إنسان متعلم، من داخل مؤسسة يفترض أنها حامية للحياة، يتحول إلى أداة قتل.
هذه الجريمة، رغم وقوعها بعيدًا عن السويد جغرافيًا، لكنها قد تلامس العائلة العربية في السويد بشكل مباشر. فهي ليست حادثة معزولة، بل نتيجة تراكم طويل من جهل معرفي بالعلاقة الإنسانية، وبمشاكل ما بعد الطلاق وكأن علاقة التملك يجب أن تستمر حتى ما بعد الانفصال، إضافة إلى عناوين عريضة مثل الجهل بالجسد، وبالحدود، وبإدارة الخلاف، والفقدان. جهل قد يرافق الإنسان حتى وهو يحمل أعلى الشهادات، لأن التعليم وحده لا يصنع وعيًا نفسيًا ولا نضجًا عاطفيًا.
في مجتمعاتنا الأصلية، كبر كثيرون في بيئة تتعامل مع الجسد كعيب، ومع المشاعر كضعف، ومع الخلاف كتهديد للسلطة لا كحالة إنسانية طبيعية. هذه الموروثات لا تختفي تلقائيًا مع الهجرة، بل تنتقل معنا، وتصطدم في السويد بمنظومة قيم واضحة: المساواة بين المرأة والرجل، احترام الخصوصية، وتجريم العنف بكل أشكاله، حتى داخل الأسرة.
كثير من العائلات العربية في المهجر تعيش هذا الصدام بصمت. تحاول التوفيق بين عادات قديمة وبين قوانين وقيم جديدة، دون مراجعة حقيقية للجذور. وهنا تبدأ المشكلة. فالتشدد الأخلاقي لا يحمي الأسرة، والإنكار لا يحل الصراع، واعتبار القيم السويدية “تهديدًا للهوية” يترك العائلة في حالة شدّ داخلي دائم، يدفع ثمنه الأبناء أولًا.
التربية الجنسية والاجتماعية، بمعناها المعرفي، ليست دعوة للانفلات كما يُشاع، بل أداة حماية. هي تربية على فهم الجسد دون خوف، وعلى العلاقة دون امتلاك، وعلى الحب دون عنف، وعلى أن الرفض ليس إهانة، وأن نهاية علاقة لا تعني انهيار الكرامة ولا تبرر الانتقام. هي وعي بأن الزواج شراكة، لا سلطة، وبأن الطلاق – رغم ألمه – حل حضاري لا جريمة.
المشكلة أن كثيرًا من العائلات تختصر الاندماج بما تقدمه مؤسسات الهجرة أو دورات التعريف بالمجتمع، وكأن الاندماج إجراء إداري لا مسار وعي مستمر. بينما الحقيقة أن المسؤولية تبدأ من داخل الأسرة: بالبحث، بالسؤال، بمتابعة المختصين، وبطلب المساعدة النفسية والاجتماعية في وقت مبكر، قبل أن تتفاقم الخلافات وتدخل المؤسسات السويدية بمعالجات قانونية قد لا تراعي دائمًا العمق النفسي والثقافي للمشكلة.
عندما يُترك الصراع القيمي دون وعي، يتحول الخلاف الأسري إلى ملف اجتماعي، ثم إلى تدخل رسمي، ثم إلى شرخ يصعب إصلاحه. وعندها لا يكون السؤال: لماذا تدخلت الجهات المعنية؟ بل: لماذا تأخرنا نحن في مواجهة المشكلة بوعي ومسؤولية؟
الجريمة التي هزّت الموصل يجب أن تُقرأ في السويد كإنذار، لا كخبر بعيد. الهجرة ليست انتقال مكان فقط، بل انتقال في أنماط التفكير والسلوك والعلاقات. والمصالحة مع الذات، ومع حجم التغيير المطلوب، لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لحماية الأسرة، والأبناء، والمستقبل.
هذه دعوة للعائلة العربية في السويد: لمراجعة الموروثات السلوكية المؤذية، ولبناء وعي جديد يحترم الإنسان قبل العادة، ويحمي العلاقة قبل أن تتحول إلى صراع. الوعي ليس ضد الهوية، بل هو ما ينقذها من التحول إلى عبء.
فاروق الدباغ