يتجه حزب المحافظين (الموديرات) للتركيز على مسألة القيم في حملته الانتخابية المقبلة، أي وبكلمات أخرى إثارة موضوع الاندماج، في سعي ربما لدغدغة عواطف الناخبين خصوصاً على الجناح اليميني، وكأن هذا الحزب المحسوب على اليمين التقليدي يريد منافسة اليمين المتطرف والحصول على أصوات من حزب ديمقراطيي السويد المتزايدة. فيما تسعى إيبا بوش رئيسة المسيحيين الديمقراطيين منذ مدة إلى نفس الهدف وهو إرجاع قسم من رصيدها الانتخابي الضائع الذي ذهب إلى حساب حزب جيمي أوكيسون، من خلال العزف على وتر الإسلاموية والتطرف الإسلامي حسب تصريحاتها المتواترة.

إذاً ما نشهده من جرعات خطاب كراهية وعنصرية متزايدة، نسمعها بشكل يومي تقريباً، لا بد أن تترك أثراً خاصة في أوساط بعض الشبان المتهورين والقابلين لتبني الأفكار اليمينية المتطرفة. تماماً كما فعل أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين 20 و24 عاماً، عندما نفذوا اعتداءات جسيمة على الناس في شوارع ستوكهولم، من ضرب وسرقة وتجريد من المقتنيات الخاصة، إضافة إلى توجيه الإهانات لضحاياهم بإطلاق شعارات وعبارات عنصرية، حسب الاتهامات التي وجهها لهم الادعاء العام قبل أيام.

المؤسف أنه في ظل ما تحاول بعض أقطاب اليمين واليمين المتطرف فرضه من خطاب التذاكي في الشعبوية وبالتالي خلق بيئة مسمومة في المجتمع، نجد أن هناك تقصيراً بل ما يشبه العجز من قبل اليسار إضافة إلى انجرار الإعلام إلى ما يريد الناس مشاهدته ومتابعته والابتعاد عن الانحياز نحو الحقيقة.

بهذا المعنى، الإعلام لا يكذب بالضرورة، لكنه يسعى إلى إظهار الحقيقة التي تناسبه من خلال التركيز على الصورة التي يريد ترسيخها في وعي الناس. فالمنطق الإعلامي ليس دائماً منطق البحث عن الحقيقة الكاملة، بل منطق التركيز على الجزء الظاهر والمختار منها.

ليست الحقيقة هي الضحية الأولى فقط، بل الضحايا هم المتابعون أيضاً، ممن لديهم الاستعداد للانسياق وراء هذه التعبئة. الضحايا قد يكونون من أصول مهاجرة يعانون من ضعف الاندماج، أو جزءاً من المجتمع السويدي المخدوع بالشعارات العنصرية والخطاب الشعبوي.

كثير من متابعي وسائل الإعلام في السويد، يشعرون أحياناً بالغضب من إغفال ما يعتبرونه أهم مما يقرؤونه على المواقع والصحف أو يشاهدونه ويسمعونه على الشاشات. فهل وسائل الإعلام كلها محايدة وصادقة؟ أم أن بعضها يمارس الشعبوية تماما مثل خطابات أوكيسون وحزبه.

في هذه الأيام، وكما قلنا من الصعب أن تمارس أي وسيلة إعلامية الكذب بالمعنى الدقيق للكلمة. نعم، الإعلام، وخصوصاً الوسائل المشهورة والرزينة، لا تكذب بالضرورة، لكنها قد تمارس ما هو أخطر من الكذب، عندما تختار الحقيقة التي تناسب الصورة التي تريد ترسيخها في وعي المتابعين. هذه ليست مسألة تضليل مباشر، بل انتقاء مدروس لما يخدم السردية الأقوى تأثيراً.

في عالم الإعلام اليوم، الحقيقة ليست دائماً ما يروى، بل ما يُرى. فالمنطق الذي يحكم الصحافة الحديثة ليس منطق الوقائع المجردة، بل منطق الصورة والانطباع. الإعلام لا ينقل فقط ما حدث، بل يحدد أيضاً كيف يجب أن يفهم ما حدث.

في السويد، كما في كثير من الدول الأوروبية، يمكن ملاحظة هذا المنطق بوضوح في التغطيات المتعلقة بالقضايا الحساسة، مثل تناول ظواهر سلبية تلصق بالمهاجرين لتعزيز الرواية العنصرية، أو عند تغطية الحرب على غزة، أو عند نقل المظاهرات المؤيدة لفلسطين.

هذه المظاهرات، التي تعد أداة من أدوات الديمقراطية المنصوص عليها في الدستور، والتي تعبّر عن غضب شعبي حقيقي تجاه ما جرى ويجري في القطاع من حصار ودمار وقتل، تختار وسائل إعلام في كثير من الأحيان التركيز على مشاهد محددة، مثل ترديد شعارات تعتبر متطرفة، أو رفع لافتات مثيرة للجدل، أو تضخيم دور شخص واحد يهتف بهتافات تعد معادية للسامية.

“الحقيقة البديلة”

هنا يتحول المشهد الإعلامي من نقل حقيقة الحدث إلى صناعة صورة الحدث. الصورة، أو تحديداً زاوية واحدة منها، تصبح هي “الحقيقة البديلة”، والمشاهد يساق لإدراك الحدث من خلال هذه الزاوية الضيقة التي اختارتها له الوسيلة الإعلامية. فبدل أن يكون الخبر عن المأساة الإنسانية في غزة، يصبح عن “خطر مختلق للتطرف” في الشارع السويدي، أو عندما تختزل القضية في انزعاج بعض المارة أمام هذه المظاهرات، خصوصاً بعدما صرح جيمي أوكيسون أمام شبيبة حزبه قبل أيام بأن المتظاهرين “ينقلون مشاكل بلدانهم المزعجة إلى السويد”. لاحظوا كلمة “المزعجة” وتوقفوا عندها ملياً. ثم يضيف أن على هؤلاء “المزعجين” الرحيل — نعم، الرحيل من السويد — ووقتها يمكنهم الصراخ في بلدانهم كما يريدون.

هنا تظهر محاولة إعادة تشكيل الحدث بالابتعاد عن جوهره، والجوهر هنا هو حق الناس في التظاهر والتعبير عن رأيهم، وربما عن غضبهم مما يحدث أمام أعين العالم من مجازر صاخبة أحيانا وصامتة أحيانا أخرى.

هنا يجب على الجميع، وخصوصاً وسائل الإعلام المسؤولة، أن توازن في نقل الصورة بين جوهر الحدث وظاهره، لأن الضحية، كما قلنا ونكرر، هي المجتمع السويدي نفسه، إذا تفشت آفة العنصرية ولم تجد من يضع لها حداً. تماماً كما تقع المسؤولية على الجميع بعدم إعطاء ذرائع للعنصريين والكارهين للأجانب الساعين إلى عزل السويد وتقوقعها على نفسها.

محمود آغا