المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

داني زهير، شاب من أصول عراقية يبلغ من العمر 19 عامًا، أصبح أول سويدي على الإطلاق يفوز ببطولة EM الأوروبية المخصصة للبحث العلمي للشباب. هذا الإنجاز هو ما قاده قبل يومين إلى حضور حفل توزيع جوائز نوبل، ليس كضيف عادي، بل كمشارك ألقى كلمة مؤثرة أمام نحو 1300 شخص، من بينهم أفراد العائلة المالكة، وأعضاء في الحكومة، ورؤساء أحزاب، إضافة إلى الفائزين بجوائز نوبل وعائلاتهم وشخصيات بارزة أخرى.

في المقابل، كان أحد أبرز الغائبين عن الاحتفال رئيس حزب ديمقراطيو السويد (SD) جيمي أوكيسون، الذي رفض للعام الثاني على التوالي دعوة مؤسسة نوبل لحضور الحفل الرسمي المقام في قاعة “البلدية الزرقاء” رغم أن الدعوة هذه المرة جاءت وفق سياسة جديدة تقضي بدعوة جميع قادة الأحزاب البرلمانية.

وخلال سنوات سابقة، لم تكن الدعوة تُوجَّه إلى أوكيسون أساسًا، بسبب الخلفية المرتبطة بحزبه ذات الجذور في التطرف اليميني، ومواقفه التي رأت مؤسسة نوبل أنها تتعارض مع قيم المساواة وحقوق الإنسان. ورغم ذلك، برر المتحدث الإعلامي باسم حزب SD غياب رئيس الحزب هذه المرة بأنه “مشغول بأمور أخرى” مساء الحفل. إلا أن أوكيسون نفسه كان أكثر وضوحًا وحدّة، حين كتب في منشور على فيسبوك:

“لأكون واضحًا، لا أكترث على الإطلاق لما تسمونه “حفلتكم”، ولا أنوي أبدًا، وتحت أي ظرف، حضورها”.

وبغضّ النظر عن أسباب “حرد” أوكيسون ورفضه تلبية الدعوة، فإنه يكون بذلك قد فوّت فرصة الاستماع إلى شاب من أصول مهاجرة، حقق للسويد فوزًا علميًا مرموقًا، وقدم نموذجًا حيًا عن السويد متعددة الثقافات، تلك التي كانت، والتي يجب أن تبقى، بلدًا يمنح الفرص للجميع.

لا نعتقد أن حضور أوكيسون كان سيغيّر توجهاته أو سياسات حزبه المعادية للهجرة، لكن على الأقل، كانت كلمة داني قادرة على تقديم صورة مختلفة، وأكثر واقعية، عن أبناء المهاجرين، صورة تناقض الخطاب النمطي الذي يروّج له اليمين المتطرف، والذي يصوّر الهجرة باعتبارها عبئًا لا إضافة.

إن وجود داني وغيره من الشباب الذين يمنحون الأمل للسويد، يمكن أن يساهم في وقف خلق بيئة مسمومة تجاه المهاجرين، بيئة تدفع العديد من العائلات إما إلى مغادرة البلاد، أو إلى الانغلاق على نفسها. وربما يجدر بأوكيسون، وكذلك بالحكومة الحالية، أن يتساءلوا: كم من طفل اضطرت عائلته لمغادرة السويد، كان يمكن أن يصبح “داني زهير” جديدًا، في مجالات العلم، أو الرياضة، أو الفن، أو عالم الأعمال، أو أي مجال آخر فاعل في المجتمع؟ خاصة أن السويد، وبحسب تقارير عديدة، مقبلة على تحدٍ ديمغرافي كبير، ونقص حاد في القوى العاملة.

في كلمته خلال حفل نوبل، لم يتحدث داني عن إنجازاته الشخصية فحسب، بل وجّه رسالة قوية إلى الشباب: حافظوا على فضولكم، تواصلوا مع المجتمع العلمي، واعتبروا العلم رحلة ممتعة تستحق الاستمرار. رسالة تهدف إلى إلهام جيل جديد من الباحثين والمبتكرين، خلال أسبوع نوبل وما بعده.

وبهذا، يكون داني قد وجّه رسالة أخرى، غير مباشرة، إلى عائلات المهاجرين الذين يفكرون في مغادرة السويد هربًا من واقع يرسمه لهم اليمين المتطرف. رسالة تقول إن السويد لا تزال بخير، وإن فقدان الثقة بالمجتمع ليس الحل، وإن منح الأبناء فرصة البقاء، والتعلّم، وتحقيق أحلامهم، قد يكون استثمارًا في مستقبلهم، وفي مستقبل البلاد نفسها.

محمود آغا