نكاد نشعر، نحن سكان السويد، بما يعنيه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الهجرة من الدول النامية بشكل فوري، واحتمال سحب الجنسية الأمريكية ممّن يُعتَبر مشاركًا في تقويض السلم الأهلي.
وقف الهجرة، وسحب الإقامات، والتهديد بسحب الجنسيات، والترحيل القسري، والتشجيع على الهجرة الطوعية؛ مفردات نعيشها في السويد واقعًا يوميًا، وتترافق مع تصريحات تزيد من الشحن الطائفي والكراهية تجاه الأجانب.
قرار ترامب، الذي يمكن وصفه بالانفعالي والمتسرع، جاء بعد حادثة إطلاق نار في العاصمة واشنطن مساء الأربعاء، أسفرت عن مقتل عنصر من الحرس الوطني وإصابة آخر بجروح خطيرة. وتشتبه السلطات في أن المنفّذ لاجئ أفغاني.
تصرف فردي من لاجئ كان متعاونًا مع القوات الأمريكية في أفغانستان عجّل بخروج وتعميم قرارات كبيرة ستؤثر على عشرات، بل على مئات الآلاف من الأشخاص، وكأن هذه القرارات كانت جاهزة مسبقًا وحبيسة الأدراج تنتظر حادثًا مشابهًا للإفراج عنها.
وبالإضافة إلى قرار وقف الهجرة، أمر ترامب بإجراء مراجعة لجميع تأشيرات الإقامة الدائمة (الغرين كارد) الصادرة للأشخاص القادمين من “بعض الدول”، دون أن يحدد أسماء هذه الدول في بيانه. مضيفًا أن “الهجرة العكسية هي الحل الوحيد لإنهاء هذه المشكلة بالكامل”.
لا نعلم كيف سيحل ترامب مشكلة إطلاق النار والقتل في الولايات المتحدة بالهجرة العكسية، ولا نعلم كيف ستُحل مشاكل السويد الأمنية والاجتماعية وربما الاقتصادية، من خلال التشجيع على الهجرة الطوعية وتقنين منح الإقامات والجنسيات.
وما نعلمه، حسب إحصاءات السنوات الأخيرة، أن عدد الحوادث التي يُصاب أو يُقتل فيها عدة أشخاص في الولايات المتحدة يصل إلى نحو 700 حادثة في السنة، بينما تفيد إحصاءات أخرى بأن عدد ضحايا القتل بإطلاق النار يتجاوز 120 قتيلًا في اليوم الواحد، ولا توجد أي دلائل على أن المسؤولين عن هذه الجرائم هم ممّن سيعاقبهم ترامب بقراراته الجديدة.
تمامًا كما في السويد، لا يمكن أن يكون اللاجؤون والمهاجرون مسؤولين عن مختلف أنواع الجرائم التي تحدث يوميًا. وقد قدّر مسؤول سياسة الهجرة في حزب SD اليوم أن آلاف السوريين قد يكونون مدانين بجرائم في السويد، من دون أن يوضح كيف توصّل إلى هذا الرقم، ومتجاهلًا في الوقت نفسه أنّ عشرات الآلاف من السوريين يساهمون في بناء السويد واقتصادها.
المهاجرون واللاجؤون بشر، يمكن أن ينحرفوا ويقترفوا الجرائم مثلهم مثل بقية السكان، لذلك يجب أن يبقى الموضوع بيد القوانين والقضاء. وفي حال وجد السياسيون دليلًا على وجود ظواهر إجرامية سببها الهجرة واللجوء، فعليهم معالجة الأسباب من خلال وضع المشكلة كقضية تخص السويد كدولة ومجتمع، لا أن يُعلّق كل ذلك على كاهل المهاجرين واللاجئين.
من الطبيعي أن تحدد كل دولة سياسة الهجرة التي تناسبها، ومن الطبيعي ألا تفتح الحكومات أبواب اللجوء لكل من يرغب، لكن غير الطبيعي هو أن تتحكم العنصرية والكراهية في هذه السياسات.
من المؤكد أن ما ينتهجه ترامب من سياسة يمينية تقترب من التطرف، يشجع أقطابًا من اليمين السويدي على الاستمرار في التطرف والتمادي.
وقبل أن يكون ترامب هو المثل الأعلى، وقبل أن يحدد مطر واشنطن متى سنفتح المظلات في السويد، دعونا نراجع ما يقوم به ترامب منذ توليه السلطة قبل 10 أشهر.
قائمة طويلة من التناقضات الواضحة إلى حد الوقاحة سجلها الرئيس الأمريكي منذ توليه السلطة للمرة الثانية. ومع أنه تبنى شعار “أمريكا أولاً” واهتم بتقليل الالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج، مثل الانسحاب الجزئي من سوريا وخفض دور الولايات المتحدة في بعض النزاعات، إلا أنه من جهة أخرى زاد من دعمه العسكري والسياسي لدول لا تزال تشعل المعارك والنزاعات.
ومع أنه أعلن التوصل إلى سلام في الشرق الأوسط وحل نزاع عمره 3000 سنة من خلال اتفاق هش في غزة، لا نزال نسمع كل يوم عن هجمات تشنها إسرائيل على غزة نفسها وعلى جيرانها، وكان آخرها العدوان على ريف دمشق الغربي.
حتى السلام الذي يحاول فرضه على أوكرانيا تعتبره أوروبا ودول غربية أخرى نوعًا من الاستسلام والتسرّع الذي لا يصنع سلامًا.
وقد امتدح ترامب قادة غير ديمقراطيين أو غير ليبراليين، مثل رئيس كوريا الشمالية والرئيس الروسي وغيرهما، بينما وجّه انتقادات إلى حلفاء تقليديين ودول ديمقراطية، ما يُظهر نوعًا من الانتقائية في معايير الشراكة مع خلفائه الغربيين. هذا التضارب يثير تساؤلات حول ما إذا كانت “القيم” أو “المصالح” هي الأساس في علاقات واشنطن الحالية مع العالم.
وخاصة عندما انسحب من اتفاقيات مهمة، مثل الاتفاق النووي مع إيران، ومعاهدة الصواريخ متوسطة المدى، وقرارات الانسحاب الجزئي من منظمات دولية. وفي الوقت نفسه، لا يتردد في التدخل في شؤون دول خارجية أو فرض شروط وعقوبات في نزاعات دولية أو ملفات استراتيجية.
هذا المزج بين المصلحة المباشرة والتعاملات الفردية من جهة، وبين المبادئ العامة والتحالفات من جهة أخرى، يُضعف صورة الولايات المتحدة كقوة ثابتة يمكن الاعتماد عليها.
لذلك يجب ألا نُجبر على فتح مظلاتنا هنا في السويد كلما أمطرت في واشنطن.
محمود آغا