هل هو “إسلام سويدي” أم “الإسلام في السويد”؟ بين العبارتين فروق جوهرية في الدلالات والتمثّلات. رئيسة حزب الليبراليين سيمونا موهامسون فتحت باب النقاش واسعاً حين تحدثت عن “إسلام أزرق أصفر” ناقلة بذلك “الإسلام السويدي” من حقل الأكاديميا إلى الاستخدام السياسي.
مستخدمون كثر على وسائل التواصل انتقدوا استخدام المصطلح باعتبار الإسلام دين واحد. والحقيقة أن هناك نسخاً متعددة من الإسلام ليس كعقيدة بل كتمثّل ثقافي وحوامل اجتماعية للإيمان بالعقيدة وممارسة شعائرها، فهناك إسلام تركي وإسلام سعودي وإسلام إيراني وإسلام شامي…، وفكرياً هناك الإسلام الشيعي والصوفي والسلفي والأشعري.. وبينها اختلافات تصل إلى العقيدة نفسها.
ليس هذا مقال لدراسة حجم الفوارق بين الفرق أو المذاهب الفكرية الإسلامية، غير أن اختلاف الفروع يبيح لموهامسون وغيرها صوغ المصطلح بناء على تأثيرات الثقافة السويدية في المسلمين.
لم تنحت موهامسون مصطلح “الإسلام السويدي”، كما لم يبتكر محرم ديميروك قبلها مصطلح “الإسلام الثقافي”، كلا المفهومين استُخدم في الأوساط الأكاديمية من قبل نتيجة تزايد الاهتمام بالقضايا الدينية والهوية في العقدين الماضيين، وربما يعود أصل استخدام “الإسلام الثقافي” إلى السبعينات للتمييز في الأكاديميا بين الديني المحض وبين ما هو ثقافي- اجتماعي متأثر بالإسلام.
استندت موهامسون في تعريفها للإسلام السويدي إلى تقرير صادر عن هيئة دعم الجماعات الدينية خلص إلى أن السويديين من خلفيات مسلمة “أكثر علمانية” مما كان يُعتقد سابقاً. وتقول أستاذة علم الاجتماع في جامعة أوميو والمشاركة في إعداد التقرير إيريكا فيلاندر “من بين خمسة بالمئة من السكان الذين لديهم خلفية عائلية مسلمة، يمارس حوالي خمسهم الإسلام. هذا يعني أن الغالبية لا تمارس، لكننا لا نعرف سوى القليل جداً عن كيفية ارتباطها بتراثها الديني”.
يمارس مسلمون العلمانية في حياتهم حتى وإن اعتقدوا بأنها “مرادف للكفر” نتيجة الهجوم الدائم على المصطلح من قبل الأئمة والدعاة. كثير من المسلمين غير المؤدلجين يعتقدون ويمارسون شعائر دينهم بحرية دون الرغبة في فرض فكرة “حاكمية الدين على الدولة والمجتمع”، سواء آمنوا بها أم لم يؤمنوا، وذلك باعتبارهم أقلية دينية في مجتمع غير مسلم، وهذه الفكرة تحديداً كانت المنطلق في نشوء الإسلام السياسي والتنظير له خلال القرن العشرين.
الإسلام السويدي الأوسع
تختزل موهامسون أو هكذا يُفهم من مقالها على الأقل، “الإسلام السويدي” بالجيل الثاني والثالث الذي يشبهها من السويديين المسلمين الذين لا يأكلون لحم الخنزير لكنهم قد يشربون البيرة مع الأصدقاء، ويشاهدون المسلسلات في رمضان ويصومون تضامناً مع الجد والجدة. غير أن المفهوم في الواقع أوسع من ذلك ويشمل أيضاً أولئك الذين لا يشربون البيرة ويصومون رمضان “إيماناً واحتساباً”، ويصلون ويحجون، لكنهم يؤمنون أيضاً بقيم المساواة والحرية ولا يجدون تعارضاً بينها وبين التزامهم الديني بل يعتقدون بأن إيمانهم يحثهم عليها. إنه نوع مما يسميه مفكرون مثل جمال البنا ومحمد أركون وخالد أبو الفضل “الإسلام الليبرالي”، وبالمناسبة دافع بعض المفكرين عن الفكرة في مجتمع كان تحت سطوة “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
كثيرون أيضاً يحاولون فرض نسخ مختلفة أكثر تشدداً من الإسلام أو “التدين الشعائري” الذي أعاد محمود آغا استخدامه في أحد مقالاته مؤخراً، ومحاولة تمييز المسلمين في المجتمعات الغربية عن غيرهم باستغلال كل مناسبة. وليس مصادفة ربما أن تُثار مسألة “عدم جواز معايدة المسيحيين بأعيادهم” مع كل عيد مسيحي، بل ويتم التشدد تجاهها في السويد وغيرها من دول أوروبا أكثر بكثير مما يجري في دول مثل سوريا والعراق ومصر مثلاً.
لا تحصي هيئة الإحصاء (SCB) السكان في السويد حسب عقيدتهم الدينية لذلك من غير الممكن معرفة عدد المسلمين بدقة. غير أن تقديرات مركز الابحاث “بيو” تشير إلى أن نسبة المسلمين في السويد حوالي 8 بالمئة من عدد السكان، ما يعني أن عددهم يتجاوز 800 ألف نسمة. وهؤلاء متنوعون جداً من أقصى الإلحاد إلى أقصى التشدد، لكن برأيي أن في الوسط كثيرين ممن يمارسون الإسلام السويدي دون أن يشبهوا كثيراً سيمونا موهامسون أو محرم ديميروك.
ترى موهامسون أن الإسلاميين المتطرفين يكرهون “الإسلام السويدي” لذلك يجب الدفاع عنه. وتطرح في سبيل ذلك اقتراحات سياسية مثل وقف المدارس الدينية التي تفصل بين الجنسين وتؤدي إلى تطرف الطلاب، وعدم السماح بتسرب أموال الضرائب إلى رجال دين يروّجون لحرمان الفتيات من حرية اللباس، أو منع الإنسان من حب من يشاء، ومنع أي قوى خارجية من تمويل الجماعات الدينية في السويد إذا كانت تنشر تفسيرات مناهضة للديمقراطية ومتطرفة.
ماذا عنكم؟
يغفل مقال موهامسون تأثير خطاب الكراهية الذي بات ينتشر أكثر فأكثر ضد المسلمين في السويد. الترويج لنظريات “الاستبدال السكاني” ومهاجمة الإسلام في كل مناسبة لا تقوي “الإسلام السويدي” بل تدفع المسلمين العاديين غير المؤدلجين إلى أحضان الإسلاميين المتطرفين بدافع الخوف من “الآخر” الذي “يريد محاربة المسلمين في دينهم بل وفي وجودهم”، كما تروج أصوات متطرفة كثيرة معظمها من خارج السويد. إن الخطاب الذي يغذيه حليف الحكومة SD يؤدي بالضبط إلى النتيجة التي تحذّر منها موهامسون، فهل يملك الليبراليون جرأة الاعتراف بخطأ التعاون مع SD أم أن قشة الغريق ستدفعهم إلى التنازل له عن رئاسة الوزراء أملاً في أصوات يمينية تبقيهم في البرلمان؟ يبقى أن نرى، وإلى ذلك الحين سأقول لسيمونا: بصحتك!
مهند أبو زيتون