المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: لفترة طويلة تربعت الجزيرة فعلاً على عرش الصحافة العربية، من خلال عملها وحيادها ومصداقيتها، هناك من يعتبر أن هذه القناة التي هي بحجم أو حتى أكبر من دولة، سقطت عن هذا العرش مع بداية أحداث “الربيع العربي” من خلال تغطياتها المنحازة، لكن حتى الذين لا يوافقون على سياستها، ظلوا يشهدون لها بقدر كبير من المهنية، والمهنية هنا تعني بالدرجة الأولى المصداقية في نقل الخبر والتحري عنه قبل تبنيه، أو على الأقل إظهار التشكيك بصحة المعلومة والمصدر في حال كان لا بد من ذكره.

أمس تناولت زاوية “ولكن” على الكومبس السقطة الإعلامية التي وقعت بها صحيفة أورينت الإلكترونية وقناة TRT التركية عندما بنيا مع غيرهما من الصفحات الصفراء قصة خاصة بهم عن تبني زوجين مثليين لطفلة مسلمة، لا أحد يعرف لماذا قررت هذه المواقع ووسائل الإعلام أن الطفلة مسلمة، أي أن بناء هذه القصة الخاصة جرى على أساس معلومة على الأقل غير مؤكدة، ولا يوجد لها أي مصدر.

اليوم اتضح أنه حتى الجزيرة، التي تقضي تقاليدها المهنية بالتأكد من المعلومة من مصدرين مختلفين على الأقل، سقطت بهذا الفخ، وانتجت فيديو على أساس أن الطفلة من عائلة مسلمة، أي أن الجزيرة وقعت في خطأين: خطأ عدم التحقق من المعلومة، وخطأ النقل ونسخ وترديد ما تقوله الصحافة الصفراء، وكأن الجزيرة بجلال قدرها قد وضعت نفسها إلى جانب صفحات معروفة أصلاً بأنها أبواق لنشر الكذب والتضليل خصوصاً حول أوضاع المسلمين والعرب في الدول الأوروبية وتحديداً السويد.

هذه السقطات الإعلامية غير الأخلاقية التي تقع فيها محطات ومواقع ناطقة بالعربية، عن قصد أو عن غير قصد، خصوصاً عند نقلها لأخبار وأحداث من السويد وأوروبا تخص الجاليات العربية والإسلامية، بهذه الدول، هي في الحقيقة لا تضر السويد كدولة بقدر ما تضرنا نحن كجاليات عربية ومسلمة نعيش هنا.

بعض هذه القنوات ومن يقف خلفها يريدون إيهامنا، بأنهم يخوضون صراعاً من أجلنا نحن الذين نعيش في المجتمعات الأوروبية، وللدفاع عنا كما يدعون، لكن في الحقيقة هو يخوضون صراعاً علينا من أجل تجييشنا وتوجيهنا ضد الدول والمجتمعات التي استقبلتنا، وتريد منا هذه المجتمعات، أن نكون مواطنين مثلنا مثل أي مواطن آخر على أراضيها بغض النظر عن لون بشرتنا ومعتقداتنا وميولنا.

وسائل الإعلام هذه تلتقي وتتطابق مع ما ينادي به اليمين المتطرف، ومع أهدافه التي يسعى إليها لإظهار اللاجئين على أنهم عالة ولا يستطيعون الاندماج ويجب أن ينفصلوا عن الثقافة الأوروبية الأصيلة لأنهم خطر عليها، تماماً كما تريد هذه القنوات غير الأخلاقية، الوصول له، من خلال نشر الفزع والخوف وتهويل الأحداث ووضعها في سياقات حرب بين الثقافات.

ما نشرته مسائية الأفتونبلادت السويدية بعنوان: “الأمور تجري بشكل جيد مع عائلة مؤلفة من أب وأب وبنتين” هي تفاصيل عن حياة رجلين مثليين يعيشان معاً كزوجين، قاما بتبني طفلتين، تباعاً، لأن ذلك يعد غريباً حتى للقارئ السويدي، خصوصاً أن موضوع السماح للمثليين بتبني أطفال، جديد نسبياً، ومر بعدة مراحل ونقاشات، ورغم إقراره لا يزال يلقى معارضة من شخصيات وجهات سويدية. وكما نعلم كانت المثلية ممنوعة ويعاقب عليها بالإعدام في السويد، ومع الوقت أصبحت العقوبة السجن، ثم الغرامة، ثم اعتبرت مرضاً، قبل أن يتقبلها المجتمع. تقرير الصحيفة السويدية بدا شأناً سويدياً عادياً في المجتمع قبل أن يكتشف أحد الفصحاء أن إحدى الطفلتين، ولأن أسمها ميريام هي من عائلة مسلمة. مع أن اسم ميريام هو سويدي أيضاً ومصدره من العهد القديم ويكتب بعدة أشكال بالأحرف اللاتينية وهناك حوالي 3800 شخص يحملون اسم ميريام بينهما ذكران والباقي إناث.

إذاً فقط لأن اسم الطفلة ميريام أصبحت مسلمة وانتشرت الكذبة لتصل إلى الجزيرة التي التقفتها لتبني قصة من قصصها العديدة عن معاناة المسلمين في السويد، وبطريقة إخراج مادة دسمة، مع كثير من الكراهية والحقد على السويد كبلد ومجتمع. قبل ان تعود الجزيرة نفسها وتحذف الفيديو اليوم ربما بعد ما تبين لها خطأ المعلومات المنشورة فيه. لكن بعد ماذا؟ بعد أن تناقلت صفحات أخرى المعلومة الخطأ.

هناك من يقول لنا أين دليلكم أنتم على أن الطفلة غير مسلمة؟ سؤال جميل، لكن لسنا نحن من بنى قصة كاملة على أساس معلومة على الأقل غير مؤكدة، وأين يوجد دليل على أنها مسلمة؟ هل أحد من الأهالي المسلمين قال إنها ابنته أو ابنة قريب له؟ ومع ذلك نحن تواصلنا مع الصحيفة التي نشرت المقال وعن طريقهم راسلنا مصدر وأكد لنا أن الطفلة سويدية الأب والأم وليس لها علاقة بالمسلمين أو العرب.

هذا المصدر لا يريد حالياً أن يكشف عن اسمه لأن الشرطة تجري تحقيقات حول رسائل تهديد وكراهية وصلت للعائلة. ومن واجبنا كإعلام حماية مصادرنا. كما أكد لنا المصدر أن الطفلة موجودة برعاية السوسيال منذ أن كانت بعمر 10 أشهر، وأن جدتها البيولوجية على تواصل وعلاقة ممتازة معها وتزورها في منزلها الجديد كل فترة.

المعلومة الثانية الخاطئة التي تناقلتها وسائل الإعلام، خصوصاً أورينت، هي أن الطفلة الثانية أستريد انتزعت من عائلتها في حين يذكر تقرير الأفتونبلادت بوضوح أن الأم البيولوجية تخلت عن ابنتها بمحض إرادتها.

هناك فرق كبير بين أن يتناول الإعلام ظاهرة أو خبر أو حادثة إساءة بشكل موضوعي، للفت النظر لها ولمحاسبة المخطئين، وبين أن تترصد وسائل الإعلام هذه الأحداث لتتخذها مقياساً للتعميم ومعياراً لبث سياساتها وأجندتها. تماماً مثل ما تقوم به قناة الجزيرة حالياً عند تغطيتها لما يحدث في السويد، ويمس الجاليات المسلمة.

لم نكن نريد في الكومبس أن يتحول النقاش أصلاً حول هل الفتاة مسلمة أم لا. وكأن الأمر يبدو طبيعيا ًطالما أن الفتاة غير مسلمة. لكن نريد إظهار كيف أن المهاجرين يتم الزج بهم في عداء مع مجتمعهم عبر استغلال أي حادثة حتى إن لم تكن تخصهم.

نحن هنا لسنا في صدد تقييم إجراءات السوسيال أو منح رعاية الطفلتين للزوجين المثليين، وهو موضوع يثير جدلاً في السويد أيضاً. بل ما يهمنا هنا هو كيف يتم استغلال هذه القضايا في التجييش وتكريس عزلة المهاجرين عن مجتمعهم.

نحن كمسلمين وكعرب ومهاجرين نعيش هنا، وهؤلاء يلحقون الأذى بنا وحتى بأجيالنا، وهم في حلف مقدس مع اليمين المتطرف. نقول لهؤلاء المتباكين والحريصين علينا دعونا وشأننا. نحن جزء من السويد ونحن جزء من هذا المجتمع ونحن قادرون على حل مشاكلنا من دونكم، اذهبوا واهتموا بأنفسكم قبل أن تدعوا أنكم تهتمون بنا.

محمود آغا