المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في الأسابيع الأخيرة نشرت الصحفية أماندا نوريغرين في إكسبريسن تقريراً كشف أكثر مما أراد بعضهم أن يرى. لم يكن الصادم هو المعلومات الجديدة بل هو رؤية أغنى رجل في العالم إيلون ماسك وهو يهبط إلى مستوى خطاب سياسي يخلط السطحية المعرفية بنبرة عنصرية ويستند بالكامل إلى روايات اليمين المتطرف دون أن يبذل جهداً واحداً لفهم تاريخ السويد أو تعقيداتها السياسية. ها هو ماسك الذي بات مرادفاً لليمينية المتطرفة الراديكالية يمنح على منصته X دعماً مباشراً لكريستيان بيترشون أحد أبرز الأصوات اليمينية المتشددة في السويد الأمر الذي من شأنه أن يقدم لمحة قصيرة وخطيرة عما قد تبدو عليه الانتخابات القادمة

خيال المؤامرة حول أولوف بالمه

ومن أغرب السرديات المتداولة في أوساط ما يسمى بالحركة الوطنية السويدية القول إن أولوف بالمه هو من أدخل السياسة متعددة الثقافات إلى السويد وبذلك فهو في خيالهم المسؤول عن تدمير البلاد وهي فكرة غذّاها المؤرخ لارس إريك هانسن صاحب الجذور القومية المتطرفة حين ادعى أن بالمه ومعه دافيد شفارز البولندي الأصل هما العقل المدبر لسياسات التعدد الثقافي بين 1975 و1977 لكن الواقع كان أعقد وأبعد تماماً عن هذا الخيال الديماغوجي فبالمه كان مؤيداً لهجرة منظمة وانتُقد أحياناً لأنه كان حذراً من الهجرة الكبيرة من خارج أوروبا لا بدافع عنصري بل خوفاً من اتساع الفجوات الاجتماعية التي قد تهدد دعم المجتمع لنموذج دولة الرفاهية. كما أن التعددية الثقافية السويدية لم تصل قط إلى مستوى السياسات الراديكالية التي تبنتها كندا أو أستراليا في الفترة نفسها لكن هذه التفاصيل لا تهم ماسك ولا بيترسون وكما يذكر النص لا أحد منهما لديه أدنى معرفة بهذه التفاصيل الأكاديمية ولا رغبة في التمييز بين الصحيح والخيال.

ماسك ومنصة X… حين يصنع الجهل سياسة

في أواخر 2024 وبعد انفجار في أوسترمالم كتب ماسك على X متسائلًا عن رقم التفجيرات في السويد وهو رقم غالباً ما يُستخدم كأداة تعبئة سياسية، ثم شارك منشوراً يدعو إلى الترحيل الجماعي في الولايات المتحدة قبل أن يعيد نشر تغريدة تحمل صوراً بعنوان “إرهاب في السويد”، مقدماً البلاد كدولة منفلتة بلا سياق ولا تحليل وبلا أي إحساس بالمسؤولية تجاه خطاب قادر على تمزيق المجتمع. واليوم يكتب بكل بساطة أن أولوف بالمه دمّر السويد وهي عبارة ليست بريئة بل تبنٍّ مباشر لبروباغندا اليمين المتطرف التي تحاول إقناع الطبقة العاملة بأن حزب العمال السابق هو من دمّر البلاد وأن SD هو وريث الحركة العمالية الحقيقي ومنصة ماسك تمنح هذه السرديات جناحين.

الخطاب المتطرف وابتسامة الهروب

ماسك يتقن ذلك التكتيك الذي يعرفه الباحث كريستر ماتسون، ففيه يطل الخطاب المتطرف أولاً ثم تتلوه ابتسامة ساخرة كدرع تقول ما تعرف أنه سيُقرأ كرسالة متطرفة وحين تسقط الانتقادات عليك تتراجع إلى منطقة المزاح وتقول إنك لم تكن جاداً فتنجح في هدفين معاً: نشر الرسالة المتطرفة واجتذاب جمهورها والتملص من أي مسؤولية بوصف الأمر مزحة خفيفة، وهي الحيلة نفسها التي مارسها ماسك عندما اتُّهم هذا العام بتقديم ما يشبه التحية النازية فضحك وسمى الانتقادات مرهقة فباتت الإشارة أداة أما الإجابة المتهربة فصارت حصانة.

ماسك… عبقري في الفضاء وجاهل فادح في السياسة

ويبقى السؤال قائماً كيف يسقط رجل يقود ثورة في الفضاء والذكاء الاصطناعي في فخ سرديات لا تصمد أمام دقيقة واحدة من البحث الأكاديمي؟ الجواب بسيط فهو لا يتحدث هنا كمهندس أو مبتكر بل كمؤثر سياسي يوظف منصته لتمرير خطاب يقوم على التخويف والاستقطاب والترميز العنصري وصناعة روايات مبسطة لغضب معقد يغري جماهير متعطشة لقصص سهلة تريحهم من عناء التفكير. ليست المشكلة في حقه في إبداء الرأي بل في تجهيزه لبروباغندا جاهزة يعيد تدويرها كحقائق دون أن يقرأ صفحة واحدة عن السويد التي يتحدث عنها بثقة خبير مزيف.

السويد لا تحتاج إنقاذاً من ماسك… بل تحتاج وقفة من جهل ماسك

وفي النهاية لا يقدم ماسك رؤية ولا تحليلاً ولا حتى رأياً سياسياً بقدر ما يقدم منتجاً إيديولوجياً جاهزاً ومعاداً تدويره بلا معرفة ولا مسؤولية ولا أدنى فهم لتاريخ بلد بُني على مفاوضات اجتماعية معقدة لا على ضوضاء تغريدات. ومن غير المقبول اختزال تاريخ الهجرة والنقاشات الاجتماعية والسياسات الاقتصادية في جملة رخيصة تقول إن “بالمه دمّر السويد”، فذلك ذروة التسطيح الشعبوي الذي يحول السياسة إلى مسرح تهويل لا منصة حلول. وماسك مهما كانت عبقريته في بناء الصواريخ يبقى في السياسة كالسائح الذي يهبط في مطار أرلاندا لأول مرة ثم يخطو إلى صالة الوصول وهو يظن أنه يمتلك معرفة تكفي لكتابة كتاب عن تاريخ البلاد.

د. العيد بوعكاز