المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: يقال إن السياسة تُدار في وضح النهار، لكن آثارها الحقيقية تظهر ليلاً. حين نام جيمي أوكيسون ورأى نفسه مطارداً، لم يكن ذلك حدثاً شخصياً معزولاً، بل لحظة انكشاف نادرة: رجل يهرب في حلمه، يختبئ بين أحراش قريبة من مبنى، ثم يصحو على جبهة دامية بعدما ارتطم رأسه بطاولة بجانب السرير. كأن الحلم أصرّ أن يترك أثراُ ملموساً، لا يُمحى بتصريح صحفي.
في لغة الأحلام، الأحراش ليست غابة. هي مكان قريب من العمران، من النظام، من القانون، لكنها لا تحمي أحداً حقاً. هي ملجأ مؤقت، ارتجالي، مثل حلول سياسية سريعة تُصاغ على عجل، وتُترك آثارها الثقيلة على من لا يملكون ترف الخطأ. ابن سيرين كان يرى أن الهروب في المنام هو خوف من أمرٍ معلوم، وأن المطارد المجهول ليس شخصاً، بل معنى لم يُحسم. أما النابلسي فربط الكوابيس بالهمّ الغالب، بالضغط الذي يُنكر نهاراً ويعود ليلًا بلا استئذان.
جبهة جيمي، موضع العقل والهيبة والقيادة، لم تُصب في فراغ. ففي التراث، إصابة الجبهة إشارة إلى تصدّع في الموقع، أو ثقلٍ في المسؤولية. وكأن العقل الباطن يقول ما لا يُقال في الخطاب السياسي: هناك عبء لا يهدأ، مهما بدا القانون متماسكاً على الورق.
وفي الطرف الآخر من المشهد، بعيداً عن غرفة نوم جيمي، هناك آلاف الأجانب في السويد يعيشون كوابيسهم وهم مستيقظون. إقامات مؤقتة، قوانين متبدلة، مستقبل يُؤجَّل مرة بعد مرة. هؤلاء لا يصطدمون بطاولة بجانب السرير، لكنهم يصطدمون يومياً بجدار الانتظار. وحين يعجز الواقع عن إعطاء معنى، يلجأ الإنسان إلى الرموز. بعضهم يلجأ إلى المحامين، وبعضهم… إلى مفسري الأحلام.
ليس ذلك عودة إلى الخرافة، بل محاولة يائسة للفهم. حين يصبح القانون غامضاً، يبحث الناس عن تفسير في المنام. وحين تُسحب الطمأنينة من الحياة اليومية، يُعاد بناؤها مؤقتاً في حلم، أو في تأويل حلم. السياسة التي لا تترك للناس أرضاً صلبة، تدفعهم إلى العيش في منطقة رمادية بين اليقظة والرؤيا.
الكوابيس لا تدين أحداً
السؤال هنا لا يتعلق بجيمي وحده، بل بلحظة سياسية كاملة: ماذا يحدث حين تُنتج السياسات كوابيس في الأعلى، وتُنتج خوفًا دائماً في الأسفل؟
الكوابيس لا تُدين أحداً، لكنها تُشير إلى ضغطٍ يتجاوز القدرة على التبرير. تشير إلى أن ما يُدار بعقل بارد في النهار، قد يعود في الليل بصورة رجل يطارد، وأحراش لا تحمي، وجبهة تنزف.
هكذا تلتقي الأحلام من طرفي المشهد: سياسي يهرب في نومه، وأجانب يحاولون فهم نومهم. كلاهما يبحث عن معنى في عالم لم يعد يمنح الطمأنينة بسهولة. والفرق الوحيد أن بعض الكوابيس تُروى في الإعلام، وأخرى تُعاش في صمت.
د. العيد بوعكاز