أن يقوم شخصٌ مؤتمن، بحكم وظيفته، على رعاية المسنّين، باغتصاب مسنّة يتجاوز عمرها 100 عام، يعني وبشكلٍ قاطع أننا أمام شخصية إجرامية منحرفة بكل المقاييس. خبرٌ صادم تصدّر عناوين الأخبار في مختلف وسائل الإعلام. المجتمع هنا، وكما هو مفترض، يجب أن يترك الأمر للقضاء ليتعامل مع هذا الحدث كجريمة جنائية، ويقوم بتحديد العقوبة. ولكن، ولأن الفاعل من أصول مهاجرة كما تبيّن، دخل مباشرة على الخط موضوع الاستغلال السياسي، من قبل تيارات وأحزاب، وحتى من رئيس الوزراء نفسه، مع تركيز واسع على أصول الجاني أكثر من أي تفاصيل أخرى.
في مواضيع عديدة مشابهة، كان ولا يزال ذكر جنسية، وطبعاً اسم وهوية المتهمين، شيئاً من المحرّمات الأخلاقية، خاصة أثناء التحقيق، ولكن بعد صدور الحكم بالإدانة تتحرر الصحافة من هذه القيود، ويمكن أن تذكر معلومات عن هوية الجاني من دون استغلال أو تشهير.
في هذه الحالة الصادمة لاغتصاب المسنّة، نشرت بعض الصحف السويدية الكبيرة معلومات عن أصول الجاني بعد صدور الحكم، وهناك من انتقد وهاجم الكومبس لأنها أعادت نشر ما نشرته هذه الصحف، وكأن مقولة “النعامة التي تدفن رأسها في الرمال” تنطبق على هؤلاء المنتقدين، أو كأنهم لا يريدون أن يعرف متابعو الكومبس حقيقة ما يعرفه المجتمع السويدي.
وهذا يحدث في مناسبات مشابهة عدة، إذ يطرح هؤلاء عندها السؤال نفسه: لماذا تنشرون ما هو مسيء للجنسية الفلانية أو للدين الفلاني؟ ويشحنون انتقاداتهم بإثارة الحمية الوطنية أو الدينية، لجمع أكبر عدد من المتعاطفين “الحريصين” على سمعة بلدانهم.
لا نعتقد أن الصحافة السويدية الرصينة، التي تتمتع بالمصداقية والمهنية، يمكن أن تعمّم خطأ شخصٍ ما مسيئاً على كل أبناء جلدته. ما ذنب مثلاً العراقيين، أو السوريين، أو المسلمين، أو العرب إجمالاً، إذا اقترف شخصٌ منهم جريمة ما؟
من المؤكد أن الأمر يختلف عند استغلال هوية الجاني بشكلٍ مقصود، وعادة ما يحدث ذلك بتحريض إعلامي من وسائل تابعة لتيارات يمينية متطرفة، ليصل إلى حد يثير السياسيين الذين ينصّبون أنفسهم، في بعض الأحيان، قضاةً ويصدرون أحكاماً تشبه العقاب الجماعي، أو بأحسن الأحوال يمهّدون لسنّ قوانين جديدة تشدّد من إجراءات الهجرة واللجوء وتضيّق مساحات الاندماج.
كنا نقول دائماً إن المهاجرين ليسوا ملائكة، ولا هم شياطين، وعندما فتحت السويد أبوابها وقلوبها للاجئين كانت تعرف أنها لم تستورد فقط عينات بشرية من كواكب أخرى، كلّها صالحة للاندماج ومنزّهة عن الخطأ. لذلك ليس من المعقول تقبّل الخطاب اليميني، خاصة المتطرف، الذي يغضّ النظر عن المهاجر المندمج والمنتج، ويوجّه كل سلاحه وحرابه إلى من فشل في الاندماج أو لم يحصل على عمل.
هنا أيضاً يجب أن نميّز بين وسائل الإعلام التقليدية والمهنية، وبين أبواق اليمين المتطرف وبعض منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي تركز، وبشكل ملاحظ، فقط على الجرائم التي يقوم بها مهاجرون أو من أصول غير سويدية، بينما الجرائم التي يقوم بها “سويدي أصيل” حسب تعبيرهم، لا تحظى بالمساحة نفسها أو تُقدَّم بصيغة أقل تهويلاً.
فيما يركّز هذا الإعلام العنصري على قضايا تُخيف المجتمع، مثل الفزع من “أسلمة السويد”، والخطر الديمغرافي، وضياع الهوية والثقافة السويدية، وفشل الاندماج، وزيادة البطالة بين المولودين خارج السويد، وغير ذلك.
كما يهاجم هذا الإعلام عادة الصحف الكبيرة والتقليدية، ويعتبرها متواطئة ضد السويديين.
من العناوين التي تنشرها هذه الصحافة مثلاً: “مهاجر جديد يعتدي على..”، و “صمت الإعلام عن جريمة مروّعة”، و”صحافة الخدمة العامة تتستر على الحقيقة”، و”السويد تفقد هويتها”، و”تزايد بناء المساجد والإسلام يتمدد”، وغير ذلك.
لذلك فالفرق هنا واضح: الصحافة المهنية التقليدية تغطي الحدث من أجل إعلام الناس بالحقائق، وتعوّل على وعي المتلقي، وتخاطب عقله، بينما مواقع اليمين المتطرف تلعب دوراً تحريضياً بالتركيز على الخلفية الإثنية أو الدينية للجاني، وتشكّك بالنوايا، وتخلط بين النقد المشروع والتخوين، كل ذلك ضمن خطاب موجّه لمشاعر الجمهور، خاصة اللعب على الوتر القومي وأحياناً الديني.
المشكلة، أو الخطورة الكبرى، عندما يتبنّى السياسيون هذا الخطاب المضلِّل ويعتمدونه لزيادة شعبيتهم، تماماً كما حدث في جريمة اغتصاب المسنّة، وكما حدث من قبل في جرائم يقف خلفها مهاجرون. لذلك تصبح المطالبة بالترحيل وتشديد العقوبات وتغيير القوانين الهمّ السياسي الأول لديهم، وكأن السويد بلا مشاكل أخرى وبلا قضايا كبيرة، وكأن معالجة الجرائم لا تتم إلا من خلال اختفاء المهاجرين أو الإبقاء فقط على المرضيّ عنهم من قبل المتطرفين في أحزاب اليمين.
نعم، مغتصب المسنّة، وكما كتبت بعض الصحف، هو عراقي. هذه معلومة انتشرت بين السويديين، وهناك العديد ممن اعتبروها مجرد معلومة ولا داعي لاستغلالها والبناء عليها للتحريض ونشر الكراهية. من ناحية أخرى، دانييل زهير أيضاً عراقي، وكتبت الصحف التقليدية عن أصله وهويته، ولم نجد أي سياسي من اليمين أو اليسار يتحدث عنه، ومن الطبيعي أيضاً لم يتحدث عنه الإعلام الأصفر.
الجالية العراقية جالية عريقة، كما هي بقية الجاليات المهاجرة، تساهم في إغناء السويد والمجتمع السويدي علمياً وثقافياً واقتصادياً. وإذا ظهر منحرف أو مجرم من هذه الجالية أو من غيرها، فهو لا يمثل سوى نفسه، وعقابه يكون فقط من خلال القضاء والمحاكم. دعايات اليمين المتطرف يجب ألا تؤثر علينا كمهاجرين، ويجب ألا تشكّل لنا إلا زيادةً في الثقة بأنفسنا وبما نقوم به من دور كمواطنين في هذا البلد.