المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

لم أستغرب الجدل الكبير الذي أثارته خطة الحكومة السويدية لرفع منحة العودة الطوعية إلى 350 ألف كرون للبالغ الواحد. فالقرار، الذي يُروّج له على أنه حل إنساني وفرصة جديدة، يحمل في داخله أسئلة أعمق من مجرد دعم مادي لمن يرغب في العودة. هل الهدف فعلاً هو المساعدة على العودة الكريمة؟ أم أن السويد تسعى بهدوء لتقليص وجود من تراهم عبئاً على نظامها الاجتماعي؟

المال لا يشتري الانتماء

من وجهة نظري، لا يمكن اختزال فكرة “العودة الطوعية” في مبلغ مالي مهما كان كبيراً. العودة ليست تذكرة سفر، بل قرار معقّد يتداخل فيه الشعور بالانتماء، الأمان، والاستقرار الاجتماعي. 350 ألف كرون قد تبدو مغرية، لكنها لن تشتري إحساس الإنسان بأنه جزء من هذا المجتمع، أو أنها تعوّض سنوات من السعي للاندماج في سوق عمل صعب ومجتمع يحتاج وقتاً طويلاً ليتقبلك. حين تتحوّل العودة إلى “صفقة مالية”، نخسر جوهر الفكرة الإنسانية للهجرة، ونحوّل حياة الناس إلى أرقام في ميزانية الدولة.

الوجه الخفي: خسارة الكفاءات

الحكومة ترى أن القرار يشجّع على “عودة طوعية” ويخفف الضغط عن نظام الرفاه، لكن الواقع أعمق من ذلك.
في السنوات الأخيرة، كثير من اللاجئين والمهاجرين نجحوا في بناء مسار مهني قوي داخل السويد، في الرعاية الصحية، التكنولوجيا، والخدمات الاجتماعية. هؤلاء الأشخاص ليسوا عبئاً، بل جزءا من القاعدة الإنتاجية للمجتمع.

إذا قرر حتى جزء من هذه الكفاءات أن يغادر بحثاً عن بداية جديدة في بلد آخر، فسنكون أمام نزيف هادئ في سوق العمل السويدي، نزيف لا يمكن تعويضه بسهولة، خاصة في قطاعات تعاني أصلاً من نقص الكوادر.

الاندماج ليس مجرد عمل ووظيفة

الحديث الحكومي عن “ضعف الاندماج” يتجاهل نقطة أساسية وهي أن الاندماج لا يُقاس فقط بمن يعمل ومن لا يعمل. هناك مهاجرون اندمجوا في الثقافة السويدية، بنوا علاقات، تعلّموا اللغة، وربّوا أبناءهم هنا.
حين ترسل لهم الدولة رسالة مفادها: “يمكنك أن ترحل وسنمنحك مبلغاً مغرياً”، فهي عملياً تشكّك في انتمائهم وتضعف شعورهم بالأمان الاجتماعي.

السياسة لا تخلق اندماجاً عبر التشجيع على المغادرة، بل عبر الاستثمار في البقاء، في التعليم، وسوق العمل، والإحساس بالمواطنة.

هل المال حلّ لمشكلة الاندماج؟

أفهم أن الحكومة تحاول معالجة تحديات اقتصادية وواقعية، لكنّ تحويل الاندماج إلى معادلة مالية هو تبسيط خطير للمسألة. فالمشكلة ليست في بقاء الأجانب داخل السويد، بل في عدم منحهم الأدوات الكافية ليكونوا جزءا فاعلاً من المجتمع. بدل رفع المنحة لمن يرحل، لماذا لا تُرفع فرص الاندماج لمن يريد البقاء؟

تخيل لو أن نصف المبلغ نفسه صُرف على دعم تدريب مهني، أو تسهيل فرص العمل، أو تحسين تعليم اللغة… كم من الأشخاص كانوا سيختارون البقاء والمساهمة بدلاً من الرحيل؟

ما بين الإنسانية والسياسة

لا شك أن هناك من يرغب فعلاً في العودة إلى بلده لأسباب شخصية أو إنسانية، وهؤلاء يستحقون المساندة.
لكن رفع المنحة بهذا الحجم يفتح الباب أمام تصوّر سياسي جديد..“كل من لا يندمج يمكننا ببساطة أن ندفع له ليرحل”. وهذه الفكرة لا تتناسب مع المبادئ التي طالما تباهت بها السويد كبلد يحترم الكرامة الإنسانية ويؤمن بالمساواة في الفرص.

شعور بالخذلان

رفع منحة العودة الطوعية إلى 350 ألف كرون ليس مجرد قرار مالي، بل مؤشر على اتجاه سياسي واجتماعي جديد في التعامل مع المهاجرين. قد يخفف الأرقام على الورق، لكنه لن يخفف الشعور بالخذلان لدى أولئك الذين آمنوا أن السويد ستكون وطنهم الثاني.

البلدان لا تُبنى بالقرارات التي تشجّع على المغادرة، بل بالسياسات التي تجعل الناس راغبين في البقاء. فالمجتمع الذي يربح أيدي عاملة اليوم قد يخسر قلوباً كانت مستعدة أن تنتمي إليه لو أُعطيت فرصة حقيقية.

ختام سليم