المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في الانتخابات البرلمانية السويدية العام 2022، شهد المشهد السياسي تحولًا حاسماً عندما فقد تحالف الوسط–اليسار بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي أغلبيته البرلمانية بفارق ضئيل، ما أتاح الفرصة لتشكيل حكومة يمينية جديدة بقيادة أولف كريسترشون.

هذا التحول لم يكن مجرد تبدّل في الأسماء، بل في الفلسفة السياسية التي توجه الدولة. فالحكومة الحالية تأسست على اتفاق سياسي مع حزب ديمقراطيي السويد، الذي وإن لم يشارك رسمياً في مجلس الوزراء، فإنه أصبح شريكاً فعلياً في صياغة السياسات العامة من خلال “اتفاق تيدو” الذي منح هذا الحزب تأثيراً مباشراً على ملفات الهجرة والأمن والاندماج. لقد أعاد هذا الاتفاق تعريف العلاقة بين السلطة السياسية والمسؤولية القانونية، حيث بات بإمكان قوة سياسية متطرفة أن تفرض أجندتها من دون أن تتحمل تبعاتها الوزارية أو الدستورية.

منذ ذلك التحول، شهدت السويد سلسلة من التغييرات القانونية والتنظيمية التي مست جوهر العقد الاجتماعي. فباسم الأمن والنظام العام، جرى توسيع صلاحيات الشرطة بشكل غير مسبوق من خلال تشريعات تسمح بإنشاء ما يعرف بـ“المناطق الأمنية”، حيث تُخفف متطلبات الاشتباه وتُمنح الأجهزة التنفيذية سلطة أوسع للتفتيش والمراقبة. هذا التطور يعيد إلى الواجهة سؤال التوازن بين الحرية والأمن، ويثير تساؤلات فلسفية حول حدود تدخل الدولة في حياة الأفراد ومدى توافق ذلك مع مبدأ سيادة القانون الذي يشكل الأساس الأخلاقي للدولة الديمقراطية.

في السياق ذاته، تم إقرار قانون الشهود المجهولين الذي يسمح بإخفاء هوية الشهود في القضايا الكبرى، وهو تشريع يلامس البنية العميقة للعدالة الإجرائية. فالغاية منه هي مواجهة ثقافة الصمت في المجتمع، لكن وسيلته تفتح الباب أمام إضعاف حقوق الدفاع وتقويض مبدأ المواجهة العلنية الذي تقوم عليه العدالة الجنائية الحديثة. هنا تبرز معضلة القانون حين يتحول إلى أداة لتحقيق غاية سياسية آنية بدل أن يكون إطاراً ضامناً للحقوق العامة.

أما في مجال الهجرة والاندماج، فقد اتجهت الحكومة نحو ما سمته “تحولًا جذرياً” في السياسة، هدفه المعلن تقليص اللجوء ولمّ الشمل وتشديد شروط الإقامة والجنسية. هذه المقاربة، التي تربط الحقوق بالقدرة الاقتصادية وتربط الانتماء القانوني بمعايير الإنتاج والعمل، تنطوي على تصور فلسفي جديد للمواطنة، يجعلها امتيازاً يُكتسب بشروط لا حقاً طبيعياً يُصان بقوة الدستور. لقد أُطلقت برامج تشجع على العودة الطوعية، وأُعدت مقترحات تشريعية لتشديد شروط الجنسية، بما في ذلك رفع مدة الإقامة المطلوبة واشتراط الاعتماد الذاتي الكامل والسلوك “المناسب”، إلى جانب اختبارات في اللغة والمعرفة بالمجتمع للحصول على الإقامة الدائمة. هذه التدابير، وإن صيغت بلغة تنظيمية عقلانية، تحمل في جوهرها إعادة رسم للحدود بين “من ينتمي” و“من يُستثنى”، وهي بذلك لا تؤثر على الأفراد فحسب، بل على التصور الجمعي لماهية الهوية السويدية ذاتها.

النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي تعقيد متزايد في إمكانات الاستقرار القانوني والاجتماعي لشرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما أبناء الجاليات الذين يواجهون ازدواجية المعايير بين خطاب الدولة المعلن حول الاندماج، وممارساتها القانونية التي تضيق سبل تحقيقه. كما أن توسيع صلاحيات الدولة على حساب الحقوق الفردية يهدد الثقة التي تشكل الأساس الضمني للعلاقة بين المواطن ومؤسساته. فالخطر لا يكمن فقط في النصوص القانونية الجديدة، بل في المناخ السياسي الذي يجعل من التضييق على الآخر المختلف سياسة مقبولة باسم “الأمن” أو “المصلحة الوطنية”.

فارق ضئيل يغير اتجاه الدولة

من هذا المنطلق، فإن التجربة الانتخابية لعام 2022 تقدم درساً يتجاوز الحسابات الحزبية. لقد أثبتت أن فارقاً ضئيلاً في عدد المقاعد يمكن أن يغيّر الاتجاه التاريخي للدولة لسنوات قادمة. المشاركة السياسية ليست فعلاً رمزياً ولا ممارسة شكلية، بل هي تعبير عن وعي جمعي يقرر مصير الحقوق والقوانين التي تنظم حياة الجميع. أصوات الجاليات، التي كثيراً ما يُنظر إليها بوصفها هامشية، باتت اليوم في قلب المعادلة الديمقراطية. فكل صوت هو موقف من طبيعة الدولة التي نريدها: دولة قانون تحمي جميع من يعيش فيها، أم دولة تُعيد تعريف المواطنة بمعايير الهوية والانتماء الضيق.

إن الطريق نحو تصحيح المسار لا يمر عبر الاحتجاج اللفظي أو الغضب المؤقت، بل عبر الفعل السياسي المنظم والواعي. فصندوق الاقتراع ليس مجرد أداة إجرائية، بل هو الامتداد المدني للعقل الجمعي حين يختار بين الخوف والأمل، بين الإقصاء والمشاركة، بين دولة تراقب مواطنيها ودولة تؤمن بهم. في النهاية، إن مسؤولية الحفاظ على التوازن بين الحرية والأمن، بين القانون والعدالة، لا تقع على السياسيين وحدهم، بل على المجتمع بأسره، أفراداً وجاليات، مواطنين ومقيمين. فالديمقراطية لا تحمي نفسها إلا حين يدافع الناس عنها بالفعل، لا بالنية.

كاوا العيسى