المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: شهدت السويد خلال العقد الأخير مرحلة تصاعد التيارات اليمينية والعنصرية. تغيرت السويد ولم تعد قضايا العدالة والإنسانية من أولوياتها، وتفاقمت تحدياتها المعيشية الداخلية (بطالة وغلاء وتحديات في الرعاية الصحية والاجتماعية وقوانين ذات طابع عنصري تستهدف فئات من المواطنين). أما حرب الإبادة على غزة فقد وضعت الأحزاب السويدية في امتحان إنساني أحرج بعضها وسقط فيه البعض الآخر وأبان عن وجه لا يشبه السويد وتاريخها.

وخلال العقد الأخير اختلفت توجهات المواطنين – من أصول مهاجرة – بين خيارين رئيسيين: إنشاء أحزاب جديدة أو الانخراط في الأحزاب الحالية والتغيير والتأثير من داخلها.

في الخيار الأول وبنظرة موضوعية فقد كانت التجربة ضعيفة جداً، لأسباب أهمها اعتماد الحزب الناشئ وبشكل رئيسي على خطاب موجه للأقليات من أصول مهاجرة عامة والمسلمة خاصة، وكان خطاب الحزب ضعيفاً هشاً بشأن القضايا الحياتية التي تخص المواطن السويدي.

أما الخيار الثاني – الانخراط في الأحزاب والتغييرمن الداخل – فقد كان صعباً في إحداث توازن في المحافظة على التعددية الثقافية أو إحداث تغـييـرات داخلية تمس حياة المواطنين وخصوصاً التحديات التي يتعرض لها المواطنون من أصول مهاجرة. وأتى الامتحان الإنساني من حرب الإبادة على غزة فسقطت و أحرجت فيه الأحزاب السويدية مما أضعف هذا الخيار، ولنا أمثلة متعددة من تصرفات بعض الأحزاب مع ممثليهم على مستوى البرلمان والبلديات والنقابات، على سبيل المثال ما حدث مع ممثلي الحزب الاشتراكي وحزب اليسار في البرلمان والبلديات.

إن الهدف من هذه المقالة تشكيل إطار للحوار والاستماع لمختلف الآراء تـثـري الموضوع وإيجاد خيارات أخرى وصولاً لتوافق يساعد في الوصول لأجوبة على الأسئلة.

أمام هذا الموضوع المعقد تمثُل أمامنا أسئلة متعددة:

أين يضع الناخب صوته؟ وكيف يمكن إنشاء حالة سياسية مؤثرة؟ هل يمكن التأثير من داخل الأحزاب الحالية؟ هل الحل من خلال إيجاد قوة ضاغطة / لوبيات مؤثرة؟ هل يتم تشكيل قائمة مستقلة ثم تتحول لحزب مستقبلاً؟ هل يكون الخيار بمقاطعة الانتخابات؟ هل بالتصويت ببطاقة بيضاء لإيصال رسائل الاستياء من الوضع الحالي؟ هل حان الوقت لتأسيس حزب سويدي جديد وما هي متطلبات وفرص نجاحه؟ وما هو الخيار الأكثر تناسباً مع المرحلة العمرية للفئة المستهدفة؟

تتنوع الأسئلة وتتنوع الأجوبة بتنوع الأفكار والخبرات لدى الفئة المستهدفة من هذه المقالة، وهي فئة تشمل المواطن الذي لا يرضى بحالة السويد، ولا يقتصر ذلك على المواطنين من أصول مهاجرة (في العقود الأربعة الأخيرة) بل وتشمل المواطنين السويديين الذين لا يرضون بسياسة الأحزاب الحالية.

لا يمكن تقديم إجابات مختصرة وبسيطة لهذه الحالة المعقدة وتداخلاتها السياسية والثقافية والاجتماعية وتداخل المصالح في عالم متغير. ويزداد السؤال إلحاحاً أكثر من أي وقت مضى.

ستركز المقالة على خيار: هل حان الوقت لتأسيس حزب جديد وما شروط وفرص نجاحه؟

لفهم جدوى تأسيس حزب جديد، هناك 4 مستويات من النقاش:

1. المستوى الاستراتيجي: يركز على مساهمة الحزب الجديد في شراكته لبناء السويد وتفاعلها الحضاري.

2. المستوى الشعبي والمؤسسات: يركز على الحاضنة الداعمة والكتلة الحرجة لنجاح الحزب.

3. المستوى الرسمي والتخصصي: يركز على الجوانب السياسية والإعلامية والقانونية التخصصية.

4. المستوى العملياتي التكتيكي للفوز بالانتخابات.

وتحتاج المستويات لعدة جلسات حوارية ولدراسات معمقة وعدة مقالات للإحاطة بالموضوع.

نتناول في الفقرات التالية المحاور المهمة لنجاح الحزب – في حال إنشائه – تشمل منطلقاته، أعضاءه، فرص نجاحه، المحاذير والتحديات والمخاطر التي تواجهه، وغيرها من الفرضيات مع فتح الباب لخيارات أخرى للوصول الى تصويب المسار.

يتوجب على الحزب الجديد أن يحدد منطلقاته و مبادئه. عليه أن ينطلق من المبادئ والقيم الإنسانية والعدالة والحرية التي تتسع لكل مواطن بصرف النظر عن دينه وعرقه وقوميته وثقافته وتوجهه الفكري.

مطلوب من مؤسسي الحزب وأعضائه أن يكونوا من خلفيات عرقية ودينية وثقافية متنوعة. فتكون الانطلاقة من المواطنة السويدية وبصرف النظر عن خلفيتها سواء أكانت سويدية الأصل، عربية أو غير عربية، مسلمة أو غير مسلمة أو غيرها.

من الضرورة الاستفادة من التجارب السابقة وتحديد المحاذير والتحديات. من الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب الناشئة اعتمادها خطاباً عاطفياً لفئتها المستهدفة من أصول أجنبية عامة وإسلامية خاصة.

التجربة السابقة – في مثال عملي في مدينة مالمو – كانت تجربة هشة للحزب الناشئ في مختلف النواحي وأقلها غياب دراسات إحصائية – في مالمو مثلاً – حول فرص نجاحهم والتي كانت شبه صفرية، وكاتب هذه المقالة كان من أشد المعارضين لطبيعة تلك التجربة وكانت له جلسات وحوارات بيّن فيها من خلال إحصائيات علمية أن فرص نجاحهم في مالمو صفرية. ومن انعكاسات تلك التجربة أنها تلقي بظلالها وتتحول إلى فوبيا من تأسيس حزب.

ومن المحاذير الوقوع في التشتت وتعدد الجهات التي ستدخل الانتخابات القادمة وكذلك الحذر من الدخول في صراع ومواجهات مع الأحزاب الأخرى. أما المحذور الكبير أن يـتـقوقع الحزب في أقلية أو قومية / عرقية أو دينية معينة. بمعنى آخر أن لا يكون حزب الأقليات وليس حزب قومية معينة.

فرص مطلوب استثمارها لنجاح الحزب

  • مطلوب العمل على زيادة في نسبة المشاركين – من أصول مهاجرة – في الانتخابات. والجدول التالي يوضح الفجوة وأهمية العمل على تقليصها.
المرجع www.val.se 201420182022
نسبة المشاركين في انتخابات البرلمان من
مدينة مالمو من أصول مهاجرة
63 بالمئة64,5 بالمئة58 بالمئة
نسبة المشاركين في السويد في انتخابات
البرلمان
85,8 بالمئة87 بالمئة84,2 بالمئة

يظهر الجدول أن نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية من أصول مهاجرة أقل بحوالي 24 بالمئة من نسبة المشاركة على صعيد السويد، وهي نسبة كبيرة جداً ومطلوب أن تستثمر.

  • حرب الإبادة على غزة كشفت موقف الأحزاب، أُحرج بعضها وسقط البعض الآخر في الامتحان الإنساني. غالباً ما كان الناخب من أصول أجنبية ينتخب الأحزاب الأقرب لليسار مثل الحزب الاشتراكي وحزب اليسار و حزب البيئة وكذلك بعضهم كان ينتخب حزب الوسط، والموديرات. ومع سقوط هذه الأحزاب في امتحان غزة الإنساني، فمن المتوقع أن تتغير وجهة الناخبين إلى حزب يتعاطى المواقف الانسانية ويتعامل مع شؤون المواطن الحياتية ولا يركز فقط على قضايا السياسة الخارجية رغم أهميتها.
  • يضاف إلى الفرص ما حصل من ضغوط على أعضاء برلمانيين و أعضاء بلديات وممثلي نقابات دفعتهم للخروج من الأحزاب. كل ذلك من شأنه أن يعطي فرصة لإيجاد حراك سياسي جديد يقوده أصحاب المواقف الإنسانية، وستكون فرصة واستعداد لدى الإنسان الحر الذي وقف مع القضايا الانسانية – خصوصاً حرب الإبادة على غزة – ليبتعد بصوته الانتخابي عن هذه الأحزاب. وهي فرصة كذلك بوجود برلمانيين وأعضاء بلديات سابقين ليكون لهم الدور والمشاركة في تأسيس الحزب.

متطلبات لإنجاح الحزب

رغم أهمية برنامج ومنطلقات الحزب واتساع عضويته ومؤسسيه، يبقى صوت الناخب هو الفيصل. ونجاح التجربة يتطلب ضرورة وجود حاضنة شعبية ومؤسساتية تلتف على الحزب وتشمل: الاتحادات والمؤسسات والجمعيات ومناصري الإنسانية والحرية. وهذا يتطلب عقد لقاءات وحوارات نخبوية لتأسيس الكتلة الصلبة التي تستطيع إيجاد الحاضنة الشعبية والمؤسساتية و النهوض بمتطلبات نجاح الحزب.

ومن المتطلبات المهمة عدم تشتيت الجهود و الحذر من الانطلاق من قواعد المصالح الضيقة إن كان لمجموعات أو أقليات. كل ذلك يتطلب وعياً وإرادة وإدارة لتوحيد الجهود.

بلا شك فإن هذا الموضوع المعقد، تتسع فيه الأفكار وتختلف فيه الوسائل وتتدافع فيه التجارب. كل ذلك سيكون ظاهرة صحية على أن يتم الوصول الى حالة من ترشيد العمل وتصويب المسار. عدا ذلك فإن السويد عامة والأقليات من أصول مهاجرة خاصة ستعاني أكثر.

مرة أخرى، ولأن الموضوع معقد، فلا توجد أجوبة سهلة وصحيحة، ولا يوجد حل يجمع عليه الجميع. مطلوب إثراء دراسة الحالة من جوانبها المختلفة. لعل هذه الأفكار والملاحظات والدروس المستفادة، تشكل إطاراً للحوار وإثراءاً للنقاش وصولاً لأجوبة تساعدنا في تصويب المسار.

د. خليل عاصي

ناشط في المؤسسات الإسلامية والعمل الفلسطيني في السويد