المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في حديث سابق مع أحد المحسوبين على المثقفين من المهاجرين في السويد، حول الانتخابات السويدية. رمى الرجل ما اعتبره نكتة الموسم الانتخابي، وبثقة مطلقة قال: “كل هذه الانتخابات مسرحية، والمرشحون مجرد كومبارس! الأسماء والقرارات متخذة سلفاً في الغرف المظلمة، وكل ما تراه هو كذب في كذب”.

ابتسمتُ بمرارة، وشريط الذاكرة يعود بي إلى حوار سابق مع الشخص نفسه، في أيام الهجرة الأولى، عندما سألتُه عن سبب اختياره اللجوء والاستقرار في السويد تحديداً، فأجابني وعيناه تلمعان: “لأنها بلد الحريات، والتطور، والديمقراطية الحقيقية”.

متلازمة السيستم شغال ضدنا

هذا التناقض الصارخ ليس مجرد رأي عابر، بل هو مرض فكري حقيقي يعاني منه البعض. البعض ما زالوا ينظرون إلى السياسة في السويد بعين التجارب القمعية التي عاشوها في بلدانهم الأصلية. لقد اعتاد البعض على نتائج انتخابات الـ 99.99 بالمئة، فصار يعتقد أن كل صندوق اقتراع في العالم هو صندوق مجهز سلفاً.

هربنا من بلاد فُصلت فيها القوانين على مقاس الحاكم،وتم تعديل الدستور خلال ساعات ليتناسب مع بقاء الحاكم، وجئنا إلى بلد تهتز فيه الحكومة بأكملها ويمتثل رئيس الوزراء للمساءلة بسبب فضيحة بريد إلكتروني أو مخالفة مرورية، ثم يقول لك بكل ثقة:”إنها مسرحية”.

المشكلة الأكبر أن هؤلاء يرتدون ثوب المثقفين المطلعين، فيمارسون دور العرّاف الذي كشف اللعبة. لكن الحقيقة؛ أن هذا الخطاب الانهزامي ليس إلا حيلة نفسية لتبرير الكسل والسلبية.

الاندماج صعب؟ إذن السيستم عنصري وهناك مؤامرة.

فهم القوانين معقد؟ إذن القوانين وُضعت لإفشالنا.

الانتخابات قادمة؟ لن أشارك لأن القرارات متخذة من قبل.

بهذه العقلية، يمنح الشخص نفسه صك براءة من المسؤولية. فلماذا يتعب نفسه بالبحث، والقراءة، ومتابعة برامج الأحزاب، والتصويت لمن يمثله ويمثل قضاياه، طالما أن النتيجة مطبوخة سلفاً؟ إنهم لا يكتفون بالجلوس على الرصيف، بل يحاولون سحب الجميع معهم إلى مستنقع الإحباط والتثبيط والفشل.

الديمقراطية ليست جنة، لكنها ليست مسرحية. والسويد ليست يوتوبيا الفاضلة، والنظام السياسي هنا فيه ثغرات، والسياسيون يخطئون ويصيبون، ويمارسون ألعاباً برلمانية للحصول على السلطة، وهذا هو جوهر السياسة في أي مكان. لكن الفارق الجوهري هو أن المواطن هنا، ومنهم المهاجرين، يملكون قوة التغيير والمعاقبة السياسية عبر الصندوق.

عندما نقنع أنفسنا والجالية من حولنا بأن أصواتنا بلا قيمة، فإننا نرتكب جريمة بحق مستقبلنا ومستقبل أبنائنا في هذا البلد. نحن حرفياً نتنازل عن السلاح الوحيد الذي يضمن لنا انتزاع حقوقنا ومواجهة التيارات التي تحارب وجودنا .من الذي سيقرر سياسات المدارس؟ من سيحدد قوانين الاندماج؟من سيصوت على قضايا الجنسية والعمل والسكن؟

كل صوت لا يذهب إلى صندوق الاقتراع، يذهب عملياً هدية مجانية لمن يريد تقليص حضورك وتأثيرك وحقوقك.

وأنت أيها المثقف، إن كنت ترى السويد مسرحية كبيرة، والانتخابات كذبة، فلماذا تمسكت بالبقاء هنا؟

كفّوا عن بث سموم الإحباط في عقول الناس. الديمقراطية في السويد ليست مسرحية، بل هي واقع يمنحك الحق لتمارس دورك، فإما أن تكون لاعباً مؤثراً في صناعة القرار، أو تختار طواعية أن تظل متفرجاً بائساً، وتدعي المظلومية.

الديمقراطية لا تحترم المتفرجين .من لا يشارك، لا يقرر.

ومن يقنع الناس أن أصواتهم بلا قيمة، لا يمارس النقد السياسي، بل يعيد إنتاج ثقافة العجز والاستسلام.

السويد ليست مسرحية، لكن البعض اعتاد العيش طويلاً على الهامش وفي كواليس الهزيمة، حتى صار يرى كل صندوق اقتراع مجرد ديكور، وكل مشاركة سذاجة .الأحزاب التي تخاف من تصويتك اليوم، ستتجاهلك غداً إذا أقنعت نفسك أن صوتك لا يساوي شيئاً.

عبدالعليم الكاطع