المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: في ظل النقاش الدائر حول حقوق المهاجرين وتمثيلهم السياسي، تبرز أصوات تدعو إلى تأسيس أحزاب سياسية خاصة بهم، بزعم تعزيز مصالحهم وضمان وجودهم في المشهد السياسي. لكن هذه الفكرة، رغم نبل مقاصدها، تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على النسيج الاجتماعي وعلى المهاجرين أنفسهم. فبدلًا من أن تكون خطوة نحو العدالة، قد تصبح عاملًا يزيد الفجوة بين “الوافدين” و”أبناء البلد الأصليين”، ويُعقّد مسار الاندماج الذي يُعتبر حجر الزاوية لأي مجتمع متعدد الثقافات. 

مخاطر التقسيم: حين يصبح التمثيل السياسي عامل التفرقة

إن تأسيس حزب سياسي قائم على الهوية المهاجرة كونه يُرسّخ فكرة “الآخر” داخل المجتمع، ويحوّل التنوع من مصدر إثراء إلى عامل انقسام. فبدلًا من أن ينظر المجتمع إلى المهاجرين كجزء من مكوناته، ستبدأ الخطابات

السياسية في تصويرهم ككتلة منفصلة تتصارع مع الكتل الأخرى على الموارد والتمثيل. هذا التصوّر يغذي المشاعر السلبية لدى الطرفين: يشعر أبناء البلد بالتهديد على هويتهم ومصالحهم، بينما يشعر المهاجرون بالعزلة وعدم القبول، مما يدفعهم إلى التمركز حول ذواتهم بدلًا من الانفتاح على المجتمع المضيف. 

 التأثير السلبي على المهاجرين: من التمكين إلى التهميش

قد يبدو تأسيس حزب خاص بالمهاجرين وسيلة لتمكينهم، لكن الواقع قد يكون عكس ذلك. ففي الأنظمة السياسية التي تعتمد على التحالفات وتوازن القوى، يتم العمل على تهميش الأحزاب الصغيرة . كما أن عزل قضايا المهاجرين في إطار حزب منفصل قد يُسهّل على الأحزاب الأخرى تجاهلها، بحجة أنها “شأن خاص بمن يهمهم الأمر”. والأخطر من ذلك، أن هذا الانقسام قد يُستخدم كذريعة من قبل بعض التيارات السياسية لتعميم صورة سلبية عن المهاجرين، وتصويرهم كجماعة منغلقة ترفض الاندماج. 

الاندماج السياسي: طريق الأكثر فاعلية وأمانًا

الحل الأمثل لا يكمن في الانفصال، بل في الاندماج الواعي داخل الأحزاب القائمة. فالمشاركة الفعالة في هذه الأحزاب تتيح للمهاجرين التأثير على السياسات العامة من الداخل،

وبناء تحالفات مع فئات مجتمعية أخرى، مما يعزز قبول مطالبهم كجزء من الأولويات الوطنية، لا كمطالب فئوية. هذا النهج يحقق مكاسب مزدوجة: فهو من ناحية يضمن للمهاجرين صوتًا مسموعًا دون تعريضهم لاتهامات بالانعزال، ومن ناحية أخرى يُذكّر المجتمع بأن قضاياهم هي جزء لا يتجزأ من قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة. 

التشبيك بدلًا من التجزئة: دور اللوبي الموحد

بدلًا من تشتيت الجهود في حزب هش، يمكن للمهاجرين تشكيل “لوبي ضغط” قوي داخل الأحزاب والمؤسسات القائمة. هذا اللوبي قادر على توحيد الأصوات، وصياغة خطاب سياسي مشترك، وممارسة الضغط الممنهج لتحقيق مطالب محددة، مثل تعديل قوانين التجنيس، أو مكافحة التمييز، أو تحسين الخدمات الاجتماعية. مثل هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحًا في دول كثيرة، حيث نجحت جماعات مهاجرة في تحقيق مكاسب كبيرة عبر العمل ضمن التحالفات القائمة، بدلًا من المواجهة المباشرة. 

 الخلاصة: التعددية لا تعني التشرذم

إن الدعوة إلى الاندماج ليست دعوة للتخلي عن الهوية أو التنازل عن الحقوق، بل هي إيمان بأن التعددية الحقيقية تُبنى عبر تقاطع الانتماءات، لا عبر انكفائها. فالمجتمع القوي

ليس ذلك الذي تذوب فيه الاختلافات، بل الذي يستطيع أن يحوّلها إلى جسور للحوار والتعاون. تأسيس أحزاب جديدة للمهاجرين قد يبدو حلًا سريعًا، لكنه يضع أساسًا هشًا لمستقبل العلاقات المجتمعية. بينما يظل الاندماج السياسي — بروح واعية وإرادة مشتركة — هو الضمانة الحقيقية لمجتمع متماسك، يُغنيه تنوّعه بدلًا أن يهدده.

أحمد محمود القاش

باحث سياسي