لا يبدو مبالغًا فيه ما يقوله بعض المحللين والمراقبين من أن العالم ما بعد غزة لن يشبه ما كان عليه قبلها. فما نشهده اليوم هو انهيار شبه كامل للقيم والمبادئ التي صاغها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ولا أحد يعرف ما الذي سيُبنى فوق هذه الأنقاض. لكن المؤكد أن تداعيات الحرب على غزة ستطاول مفاهيم أساسية، في مقدمتها مكانة القانون الدولي الإنساني ومصداقية المنظمات الدولية.

ولا يمكن إغفال التحول الكبير في الرأي العام العالمي وتأثيره المباشر على السياسة الدولية، حيث شهدنا احتجاجات واسعة مؤيدة للفلسطينيين وضغوطًا على الحكومات الغربية، بدأت نتائجها تظهر في مواقف بعض الدول التي تدرس الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كرسالة لردع إسرائيل والحد من عنفها ضد المدنيين. خطوة كهذه قد تمهد لتغيير في طريقة تعامل هذه الدول مع النزاعات المشابهة مستقبلًا.

حتى في السويد، برزت صحوة سياسية وإعلامية، تمثلت في تصريحات حكومية غير مألوفة تدين علنًا استخدام التجويع لإخضاع سكان غزة بهدف تهجيرهم والسيطرة على أراضيهم، وهي سياسات يعلن عنها بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بلا مواربة.

كما باتت الصحافة السويدية أكثر جرأة في وصف ما يجري، خاصة بعد اتهام منظمتين إسرائيليتين لحقوق الإنسان إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في غزة. ومن أبرز المواقف مقال للسويدي أندش كارلبيري، الرئيس السابق للطائفة اليهودية في يوتيبوري، نشر في صحيفة Dagens Nyheter، أكد فيه أن اليهود حول العالم مجبرون اليوم على مواجهة ما يُرتكب باسم ديانتهم، داعيًا إلى نقد ذاتي صارم، ومحذرًا من أن استغلال الدين اليهودي سياسيًا يحوله من منارة أخلاقية إلى أداة قمع.

شجاعة أصوات يهودية في السويد والعالم بفضح الجرائم المرتكبة باسمهم، تقابلها، وفق تعبير الكاتب، رغبة لدى قوى إمبريالية في توظيف اليهود لخدمة مشاريعها، وهو ما حدث تاريخيًا، كما روى له صديق يهودي أيام الدراسة في موسكو.

الحكومة الإسرائيلية التي يهيمن عليها اليمين المتطرف تمضي في سياسة التجويع والتدمير الشامل لمقومات الحياة في غزة، مدعومة ليس فقط من سياسيين غربيين يشاركونها الفكر المتطرف، بل أيضًا من تواطؤ الصمت الإعلامي أو تحيزه، خاصة في ما يسمى بالعالم الديمقراطي الحر. هذا ما لفتت إليه الصحفية السويدية لينا مقبول، التي نشرت مقالًا في صحيفة Aftonbladet بعنوان: “ازدواجية المعايير في تغطية التلفزيون السويدي SVT لأحداث غزة”.

مقبول، وهي صحفية تحقيقات في SVT، كشفت أنها كانت تنبه زملاءها مرارًا إلى ما تعتبره انحيازًا وتغطية غير مهنية، لكن ملاحظاتها لم تلقَ تجاوبًا. واتهمت القناة باستخدام لغة تمنح المصداقية للرواية الإسرائيلية بينما تشكك في المصادر الفلسطينية.

وأوضحت أن القناة ترفض المعلومات القادمة من غزة بحجة غياب “المصادر المستقلة”، لكنها تقبل روايات الجيش الإسرائيلي دون تحفظ. كما أن التغطية تميل لاستخدام أوصاف مشحونة عند الحديث عن غزة وحماس، مثل “وزارة الصحة التي تديرها حماس” أو “المنطقة التي تديرها حماس”، بينما تصف أحداث 7 أكتوبر بعبارات قوية مثل “المجزرة” أو “الهجوم الإرهابي البغيض”.

في المقابل، تستخدم القناة لغة محايدة عند نقل الرواية الإسرائيلية، مثل “تقول إسرائيل” أو “بحسب الجيش الإسرائيلي”، دون الإشارة إلى أنها طرف في النزاع، ودون استخدام أوصاف مقابلة مثل “إسرائيل المتهمة بالفصل العنصري” أو التذكير بأن نتنياهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.

كما أشارت مقبول إلى ميل التغطية لطمس هوية الفاعل في الهجمات عبر عبارات مبهمة مثل “وقع انفجار” أو “سقطت قنبلة”، بدل تحديد أن القصف إسرائيلي، وهو ما يمحو البعد السياسي عن المأساة. وانتقدت ازدواجية المعايير في الأسئلة، حيث يُطلب من الفلسطينيين إدانة هجوم 7 أكتوبر، بينما لا تُطرح أسئلة مشابهة على الإسرائيليين عن الاحتلال أو الفصل العنصري أو الإبادة.

ورصدت أيضًا تحيزًا في اختيار الضيوف والخبراء، إذ غالبًا ما تستعين القناة بمعلقين مؤيدين لإسرائيل أو ذوي صلة بالجيش الإسرائيلي، كما تغفل نشر معلومات مهمة مثل استطلاع للرأي في صحيفة هآرتس كشف أن أغلبية اليهود الإسرائيليين يؤيدون الترحيل القسري للفلسطينيين.

كون SVT قناة ممولة من دافعي الضرائب يجعلها مطالَبة أكثر من أي وسيلة أخرى في السويد بالالتزام الصارم بالمعايير المهنية وأخلاقيات الصحافة. وقد رأينا مطالبات كبرى الوكالات ووسائل الإعلام العالمية ومنها السويدية المتكررة لإسرائيل بفك “حصارها الإعلامي” والسماح لمراسليها ومندوبيها بنقل الصورة من قلب غزة، دون رد ولا مبالاة.

كم من الضحايا يحتاج “العالم الحر” وإعلامه لوصف الأمور على حقيقتها. ألا يكفي 60 ألفاً وربما 100 ألف وفق تقييمات بعض الباحثين؟ ألا يكفي موت عشرات الآلاف من الأطفال والنساء ومشاهد المجاعة التي تتداول حول العالم؟ ومتى تتغير الصورة في الإعلام كما تغيّرت في السياسة؟

محمود آغا