المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: لا شك أن النظام الحقوقي في السويد شكّل أملاً كبيراً لكثير من اللاجئين الباحثين عن الاستقرار والحياة الكريمة، لا سيما السوريين منهم. غير أن هذا الأمل سرعان ما تحوّل إلى خيبة مريرة، خصوصاً بعد تطبيق قوانين الإقامة المؤقتة بأثر رجعي، وما تبع ذلك من تبعات قانونية وإنسانية معقدة.
لقد تكشفت خيبة الأمل تلك منذ اللحظة التي أقرّ فيها المشرعون السويديون تطبيق مبدأ الإقامة المؤقتة بأثر رجعي، ما منح محققي الهجرة صلاحيات واسعة في تعليق القضايا القديمة وعدم البتّ فيها قبل دخول القانون حيز التنفيذ. وهو ما أسفر عن فوارق كبيرة بين طالبي اللجوء، حيث حصل البعض على إقامة دائمة لمجرد أن قضيته قد بُتت قبل البدء بتطبيق القانون الجديد، حتى وإن كان من الواصلين حديثاً، لكن في المقابل، حُرم آخرون من حق الإقامة الدائمة ، رغم أن منهم من دخل البلاد قبل سنوات طويلة، وذلك فقط لأن ملفاتهم قد تأخرت في المعالجة.
لقد خلقت هذه السياسة واقعاً عبثياً وغير عادل، حيث تمكن بعض طالبي اللجوء من الحصول على إقامة دائمة ، في حين أن بعض طالبي اللجوء القدامى حصلوا على الإقامة المؤقتة، والمعيار هو “توقيت البت في القضية”. وتجاوز الأمر ذلك الحد إلى فرض قيود على لمّ الشمل الأسري في بعض الحالات، ما ضاعف من معاناة المتضررين خصوصاً أولئك الذين لم ينجحوا في الحصول على صفة اللجوء.
وهكذا، وبدل أن تُنصف السياسات القانونية الضحايا، أصبحت وكأنها تمنح الجلاد لعنة تطاردهم حتى بعد زواله.
ومع ذلك، لم تتوقف شريحة واسعة من المهاجرين السوريين المتضررين عن محاولات الاندماج وبناء حياة جديدة في السويد. فقد شرع كثيرون منهم في تعلم اللغة السويدية، والانخراط في التعليم المهني أو الأكاديمي، أو استثمار خبراتهم السابقة في سوق العمل. ونجح عدد كبير في إثبات جدارتهم أمام أرباب العمل السويديين ، رغم كل العراقيل التي وُضعت في طريقهم. وربما كانت الإقامة الدائمة، ومن بعدها الجنسية السويدية، هي الأمل الذي دفعهم للاستمرار في هذا الطريق الطويل.
حرمان من الجنسية
المأساة لم تنتهِ عند هذا الحد، فكثير من السوريين الذين حصلوا على الإقامة الدائمة لم يتمكنوا من نيل الجنسية السويدية، لا لقصورٍ في استيفاء الشروط، بل بسبب أمر لم يكن لهم فيه ناقةٌ ولا جمل وهو الخدمة الإلزامية في جيش النظام السوري المخلوع. فرغم أن الخدمة مفروضة على معظم الرجال بموجب الدستور السوري ، وأن التخلف عنها قد يعرّض الشخص لعقوبات جزائية قاسية تصل إلى حد الإعدام أو السجن المؤبد أو المؤقت عدة سنوات، ما زالت دائرة الهجرة السويدية ومن ورائها محاكم الهجرة تعتبر هذه الخدمة “عائقاً” أمام منح الجنسية.
وما يزيد الأمر غرابة وصدمة، أن هذه اللعنة لم تطل اللذين أُجبروا على أداء الخدمة العسكرية فقط، بل امتدت كي تطال أولئك الذين انشقوا عن جيش النظام الساقط وهم رافضون المشاركة في جرائمه دون أن يشفع لهم انشقاقهم عنه، ودون أي اعتبار لسنوات الكفاح التي قضوها في المجتمع السويدي الذي وعلى مايبدو أنه أغلق في وجهم جميع سُبل الترحيب حتى باتوا وهم يظنون بأن وجودهم هنا في هذا الوطن، كمواطنين أمرٌ غير مرغوب.
والأكثر غرابة من ذلك، هو أن الجهات السويدية المعنية تدرك تماماً أن المجنّد في ظل النظام السوري الساقط كان مسلوب الإرادة ، وأن مجرد التفكير في الانشقاق قد يودي بصاحبه إلى الإعدام أو الاعتقال الذي قد لا يطال الشخص المعني وحده فحسب بل يمتد ليشمل جميع أفراد أسرته وأقربائه حتى الدرجة العاشرة. ومع ذلك، لا يُؤخذ هذا الواقع المرير بعين الاعتبار عند البت في ملفات الجنسية، ولا يُمنح هؤلاء المتضررون أي استثناء أو تخفيف من مدة الحرمان من الجنسية ، التي يمكن أن تمتد لربع قرن من الزمن، وربما أكثر.
واليوم، ورغم سقوط النظام السوري ، وإعلان المعارضة السابقة منذ اليوم الأول لتوليها زمام السلطة عفواً عاماً عن جميع العسكريين الإلزاميين، فإن “لعنة جيش الأسد” ما زالت تلاحق مئات السوريين في السويد، وتحول بينهم وبين حق المواطنة الكاملة هنا، في الموطن الذي أقاموا فيه زمناً يفوق الزمن الذي عاشوه في بلدهم الأم. هذه اللعنة تعاقب الإنسان السوري على ماضٍ لم يختره، ولم يكن قادراً على رفضه أو تغييره، ماضٍ لا ذنب له فيه سوى أنه قد صاح صيحته الأولى، وليداً في وطنٍ قد حكمه آل الأسد.
باسل الجمل
حقوقي ومحامٍ سوري