المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: تُعرف السويد بديمقراطيتها المستقرة، لكنها في الوقت ذاته تعاني من عجز تمثيلي سياسي لا يتم الاعتراف به صراحة.
يدور النقاش العام غالباً حول الاستقرار، والنظام، و”الطريق السويدي الوسطي”، لكن خلف هذه المبادئ تزداد لدى شرائح واسعة من المجتمع مشاعر الإقصاء والتجاهل وغياب التمثيل الحقيقي في مراكز القرار.
هذا لا يعني أن المؤسسات انهارت أو أن الأحزاب الراسخة فقدت مشروعيتها، بل يعني أن كثيراً منها أصبح غير قادر على مواكبة التحولات البنيوية التي يشهدها المجتمع السويدي اليوم: التحولات الديموغرافية، التعدد الثقافي، والشعور المتزايد بأن السياسة باتت تُدار بمنطق السوق لا بمنطق المشاركة.
في هذا السياق، لا تبدو مبادرة تأسيس حزب جديد مجرد مغامرة، بل ضرورة استراتيجية لإعادة التوازن إلى مشهد سياسي بات مركزاً حول نخبة حزبية ضيقة أكثر من كونه معبراً عن القاعدة الشعبية.
ومن بين الأمثلة الحالية الأكثر أهمية، يبرز إعلان النائب البرلماني المستقل جمال الحاج عن تأسيس حزب الاتحاد كمبادرة تسعى إلى إعادة إحياء مفاهيم التعددية، والعدالة الاقتصادية، وكرامة الإنسان داخل الإطار الديمقراطي السويدي.
“حزب جمال الحاج”!
اللافت أن هذا الحزب ليس مشروعاً شخصياً أو مبادرة فردية، بل جهد جماعي تأسس على أيدي مواطنين سويديين من خلفيات متنوعة، يشاركون بفعالية في الحياة السياسية والاجتماعية.
ومع ذلك، عمدت بعض وسائل الإعلام إلى وصفه بـ”حزب جمال الحاج”، كما لو كان كياناً شخصياً لا سياسياً. وهذا التوصيف يكشف عن انحياز خفي يعامل المبادرات السياسية التي يقودها أشخاص من خلفيات مهاجرة على أنها “خارجة عن السياق الوطني”، بدلاً من التعامل معها كجزء طبيعي من الفضاء الديمقراطي السويدي.
ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، فإن الحكم المسبق عليه وربطه تلقائياً بتجارب سابقة مثل حزب نيانس، يعكس في حقيقته رفضاً ضمنياً لأي تغيير في المشهد السياسي، أكثر من كونه نقداً موضوعياً.
من مصلحة الجميع سواء في اليمين أو اليسار، سواء من أصول مهاجرة أو مواطنين أصليين أن يُمنح هذا الحزب فرصة حقيقية.
لا من باب المجاملة، ولا بدافع المجازفة، بل كمحاولة جادة لتجديد الدماء الديمقراطية قبل أن يتحول النظام إلى مجرد تقليد إداري فارغ من التمثيل.
المشهد السياسي السويدي اليوم يعاني من:
- فجوة بين إدارة الأزمات والرؤية المستقبلية
- أزمة ثقة بين الناخبين وممثليهم المفترضين
- عجز فكري في البرلمان، حيث تحوّل التوافق إلى هدف بحد ذاته، لا أداة للإصلاح
تأسيس حزب جديد يجب ألا يُفهم كرفض للنظام، بل دعوة لتعميقه وتطويره ومحاولة لفتح الأبواب المغلقة منذ زمن، وإعادة إدخال السياسات القائمة على الأفكار في نقاش طغى عليه منطق العناوين والصراعات الإعلامية.
ما نحتاجه اليوم ليس حزباً شعبوياً أو قائداً بطولياً، بل حزباً يفهم تعقيد المشهد السويدي كما هو، لا كما تتخيله الأحزاب القديمة، يمتلك بنية تنظيمية متينة لا تذوب في أول اختبار ويتحلى بالشجاعة الفكرية دون أن يسقط في التطرف.
في هذا الإطار، ينبغي دعم مبادرات مثل حزب الاتحاد بوصفها استثماراً ديمقراطياً مسؤولًا، لا مجرد مغامرة سياسية.
إما أن نفسح المجال لأصوات جديدة، أو نستمر في سماع أصداء الصمت.
السويد لا تعاني من نقص في عدد الأحزاب، بل من نقص في الأحزاب القادرة على قول شيء جديد، لأجيال جديدة، في واقع جديد.
السؤال لم يعد: هل تسمح الديمقراطية السويدية بحزب جديد؟ بل أصبح: هل لدينا الشجاعة للترحيب به؟
محمود عبيد الله
قانوني ومحلل سياسي