(تعبيرية)
Foto: Ingvar Karmhed/SCANPIX
(تعبيرية) Foto: Ingvar Karmhed/SCANPIX

المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

يفقد المرء كل شيء حين يفقد رؤية أولاده. لا خسارة توازي هذه الخسارة. عيون أم فقدت أطفالها تلخص المعاناة أفضل بكثير مما تفعل آلاف المحاضرات. الخدمات الاجتماعية (السوسيال) وقوانين رعاية الأطفال في السويد، وغيرها من الدول الأوروبية، تشكل الهاجس الأكبر للمهاجرين. يأتي هؤلاء من بيئة يملك فيها الأهل سيطرة كاملة على تربية أطفالهم. البيئة الجديدة تعطي المجتمع ممثلاً بـ”السوسيال” حق التدخل المباشر. تدخل قد يصل إلى حد سحب الطفل من والديه وتولي رعايته. إنه التناقض الأهم والأكبر الذي يواجهه الوافد الجديد إلى مجتمعات لا تشبهه كثيراً.

قوانين راسخة في المجتمعات الغربية زادتها رسوخاً حوادث تعرض أطفال لعنف أو إهمال من الأهل وصل إلى حد التسبب بوفاتهم. الاتجاه العام في السويد ينحو نحو تشديد قوانين رعاية الأطفال أكثر وتصعيب عودة الأطفال المسحوبين إلى أهلهم الأصليين. وعلى هذه الطريق قد ترتكب خطايا تسبب معاناة لا حدود لها لبعض الأسر. المجتمع المهاجر يذهب باتجاه آخر، يخشى على أطفاله من الضياع في أروقة السوسيال. تؤلمه صورة أب مكلوم، فيتخذ موقفاً دفاعياً صارخاً.

وعلى الخط تدخل مجموعتان تريان في قصص سحب الأطفال الخاصرة الضعيفة لمسألة اندماج الوافد في مجتمعه الجديد. كلاهما تريدان زيادة الشرخ. واحدة بالقول “انظروا إنهم يضربون أطفالهم”، وأخرى بالقول “انظروا إنهم يخطفون أطفالنا”.

واحدة تقول إن “اللاجئ غير جدير بالاندماج في هذا المجتمع”، وأخرى تقول إن “السويد كلها تهدف إلى تجريد المهاجرين من أطفالهم”.

أن يصرخ أب مكلوم بأن أولاده خطفوا، فهذه لحظة إنسانية لا يجدي فيها حتى تخفيف الجراح.

أما استغلال هذه المشاعر للقفز إلى ترويج أن السويد تعادي المسلمين تحديداً في أطفالهم، وتسويد صورة المجتمع الجديد بأكمله في عيون القادمين الجدد، فهذا ليس سوى صب الزيت على النار وتسويد لحياة المهاجرين أنفسهم قبل أي أحد غيرهم.

إزاء هذه الحملة، أمام أي وسيلة إعلامية ثلاث خيارات رئيسة؛ أولها ركوب الموجة وشتم السويد والمساهمة في شيطنة الصورة أكثر، وحينها ستحظى الوسيلة بتصفيق الجمهور الغاضب، لكن ذلك لن يؤدي إلى شيء سوى تصعيب الحياة على المهاجرين أنفسهم. وثانيهما هو غض البصر عما يحدث، وكأن شيئاً لم يكن. أما الخيار الثالث والأصعب فهو توضيح الحقائق كما هي ومساعدة الناس على فهم واقعهم الجديد، وتقديم ما يمكن أن يساعدهم على التعامل معه. احترام وجع الناس الذين تعرضوا لهذه المواقف، مع عدم تحويل ذلك إلى أداة لزيادة الشرخ بين المهاجرين ومجتمعهم الجديد.

الكومبس اختارت الخيار الثالث، وهي تعرف أن ذلك قد يعرضها لسهام من قبل المجموعتين المشار إليهما.

عرضت الكومبس على مدار سنوات قصص العائلات التي سُحب أطفالها. وكانت أول وسيلة إعلام عربية تسلط الضوء على مخاطر التمييز التي قد يتعرض لها المهاجرون في موضوع رعاية الأطفال بالسويد. وأوردت من أرقام العام 2019 أن 7 آلاف و909 أطفال سحبوا من والديهم في السويد، بينهم 4800 طفل من أصول محلية، أي أكثر من النصف. ولفتت إلى أن نسبة المهاجرين في المجتمع هي أقل بكثير من النصف، لذلك فإن خطر تعرض أطفالهم للرعاية القسرية هو أكثر بالضعف مقارنة بذوي الأصول المحلية. وتحدثت مراراً عن دراسات كشفت أوجه قصور خطيرة في عمل السوسيال مع الأطفال والمراهقين مع وجود خطر للتمييز بينهم على أساس الجنس والخلفية الاجتماعية. وأن جهود السوسيال ليست واحدة في الوصول إلى جميع الأطفال، وأن تقييماته تختلف بين الذكور والإناث، إضافة إلى صعوبة التواصل بين السوسيال والأسر ذات الأصول المهاجرة.  

لكن الكومبس لم ولن تقفز من هذه الحقائق إلى تصور يهوّم في الفضاء دون أي أسس، مفاده أن “السويد تستهدف المهاجرين في أطفالهم”، ففي هذا تبسيط خطير للمشكلة، وتسطيح يهدف، بقصد أو من دونه، إلى شرخ صارت أشواكه قاتلة في أكثر من مكان داخل أوروبا.  

إلى ماذا يريد أصحاب هذا الطرح أن يصلوا؟ وهل يحل ذلك مشكلة العائلات المكلومة؟ إنه خطاب جذاب وربما “يفش الخلق” وقتياً، لكن ماذا بعد ذلك؟

ركوب الموجة هو الخيار الأسهل والأكثر انتهازية، لكنه ليس الخيار المناسب لأي وسيلة إعلام تحترم نفسها ومتابعيها. 

مهند أبو زيتون

الحقوق محفوظة: عند النقل أو الاستخدام يرجى ذكر المصدر

Related Posts