المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: نشرت الكومبس قبل يومين خبراً يستند إلى تقرير من مجلة Ämnesläraren، عبر منصة Vi Lärare.

التقرير أثار نقاشاً واسعاً حول ما سُمّي بـ “الخيانة اللغوية” في المدرسة السويدية. استند التقرير إلى أرقام من PISA 2022، أي إلى معطيات تعود إلى عدة سنوات، تفيد بأن 45 بالمئة من التلاميذ ذوي الخلفية الأجنبية لم يبلغوا المستوى الأساسي في فهم القراءة، و46 بالمئة في الرياضيات، و45 بالمئة في العلوم الطبيعية. وهذه صورة مقلقة، لأنها لا تتعلق بمادة واحدة، بل بقدرة المدرسة على تمكين التلميذ من أدوات الفهم والتعلم. لكن خطورة الأرقام لا تعني أن نتعامل معها بلا أسئلة.

فالأرقام قديمة نسبياً، كما أن PISA ليس مرآة كاملة لما يحدث داخل الصفوف. فهو اختبار دولي تنظمه منظمة OECD كل ثلاث سنوات، ويشارك فيه تلاميذ في سن الخامسة عشرة من دول مختلفة. ولا يقيس الاختبار حفظ المنهج المدرسي مباشرة، بل يقيس قدرة التلميذ على فهم ما يقرأ، واستخدام الرياضيات والعلوم في مواقف عملية. لذلك يتعامل الباحثون مع نتائجه بوصفها مؤشرات مهمة، لكنها محدودة؛ فهي تقيس جوانب معينة من الأداء في لحظة محددة، ولا تشرح وحدها كيف يدرّس المعلم، ولا كيف تتابع المدرسة الطفل، ولا متى اكتُشف التعثر، ولا ماذا فعلت المدرسة لمساعدة التلميذ قبل أن يتحول الضعف إلى نتيجة رقمية صادمة.

هنا تبدأ المشكلة. فالسؤال لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل بطريقة استخدامها. عندما تُستدعى أرقام عمرها عدة سنوات لتقديم أزمة معروفة كما لو كانت اكتشافاً جديداً، يصبح من حقنا أن نسأل: لماذا الآن؟ ولماذا لا نرى إحصاءً حديثاً أو متابعة ميدانية لما حدث بعد ذلك؟ وهل الهدف هو فهم الظاهرة فعلاً، أم إعادة إنتاج صدمة صحفية حول مشكلة قديمة يعرفها كل من عمل في مدارس الضواحي؟

والحقيقة أن هذه النتائج لا تفاجئ كثيراً من يعملون في المدارس أو يبحثون في قضايا التعليم واللامساواة. فهي لا تكشف ظاهرة جديدة بقدر ما تعيد تسمية واقع مزمن في كثير من مدارس الضواحي: فجوات لغوية تبدأ مبكراً، تفاوت في شروط التعلم، ضعف في المتابعة الفردية، وصعوبة في تحويل التعثر اليومي إلى دعم منظم قبل أن يتراكم، وضعف في إشراك أولياء الأمور. الجديد هنا ليس وجود المشكلة، بل الطريقة التي تعود بها إلى النقاش العام كل مرة كأنها اكتشاف طارئ.

التلميذ لا يصبح ضعيفاً فجأة

والأخطر أن هذا النوع من النقاش قد يجعل التلميذ هو من يحمل العبء الأكبر. هو الذي لا يقرأ جيداً، هو الذي لا يفهم، هو الذي لا يصل إلى المستوى المطلوب. أما المدرسة فتظهر أحياناً كأنها مجرد مكان ظهرت فيه المشكلة، لا مؤسسة مسؤولة عن اكتشاف التعثر مبكراً، والتواصل مع الأسرة، ووضع خطة دعم واضحة قبل أن يتحول الضعف إلى فشل. هكذا يصبح الطفل موضوعاً للقياس، لا موضوعاً للرعاية التربوية.

وهنا ينبغي أن يتغير اتجاه السؤال. الطفل لا يصبح ضعيفاً فجأة في الصف الثامن أو التاسع. قبل النتيجة النهائية توجد إشارات كثيرة: تراجع في القراءة، صعوبة في فهم التعليمات، ضعف في الكتابة، بطء في متابعة المواد، أو صمت طويل داخل الصف. هذه الإشارات لا تحتاج إلى فضيحة صحفية كي تُرى. إنها تُرى يومياً داخل المدرسة، والسؤال هو: ماذا يحدث لها بعد أن تُرى؟

من هنا يدخل دور أولياء الأمور من زاوية مختلفة. فهم ليسوا طرفاً خارجياً يُستدعى عند وقوع المشكلة، ولا جهة يُلقى عليها اللوم عندما تتراجع النتائج. في أي نظام مدرسي جاد، يجب أن تكون الأسرة شريكاً مبكراً في فهم مسار الطفل الدراسي. فإذا كان هناك ضعف في القراءة، أو في فهم المواد، أو في القدرة على متابعة الدروس، فالسؤال ليس فقط ماذا يعرف ولي الأمر، بل متى عرف؟ وكيف أُبلغ؟ وبأي خطة دُعي إلى التعاون؟

في كثير من الحالات، لا تظهر المشكلة للأسرة إلا متأخرة، عبر نتيجة ضعيفة أو اجتماع سريع أو تعليق عام عن الحاجة إلى “مزيد من الجهد”. وهذا يكشف خللاً في التواصل لا يقل أهمية عن الخلل في التحصيل نفسه. فالمدرسة تملك أدوات المتابعة اليومية، وهي الأقدر على ملاحظة التعثر في بدايته. ولذلك لا يكفي أن تُخبر الأسرة بأن الطفل ضعيف، بل يجب أن تُشركها مبكراً في فهم طبيعة الضعف وما تنوي المدرسة فعله لمعالجته.

بهذا المعنى، فإن الحديث عن نتائج التلاميذ لا يكتمل من دون الحديث عن حق الأسر في معرفة مبكرة وواضحة. ليس المطلوب أن يتحول ولي الأمر إلى خبير تربوي، ولا أن يحمل مسؤولية المدرسة، بل أن يحصل على معلومات دقيقة في الوقت المناسب: أين يقف الطفل؟ ما نوع التعثر؟ ما الدعم الذي تقترحه المدرسة؟ وكيف ستتم المتابعة؟ عندها فقط يصبح التعاون بين المدرسة والبيت جزءاً من الحل، لا مجرد عبارة جميلة تُقال بعد أن يكون الوقت قد تأخر.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط لماذا جاءت النتائج ضعيفة، بل لماذا يصل بعض الأطفال إلى هذه المرحلة قبل أن تُطرح الأسئلة الصحيحة حول مسؤولية المدرسة، وحق الأسرة، وخطة الدعم المبكر. فالرقم قد يلفت الانتباه، لكنه لا يفسر الصمت الطويل الذي سبقه. وما يحتاجه الطفل ليس أن يُكتشف ضعفه متأخراً، بل أن يُرى تعثره في الوقت الذي ما زال فيه قابلاً للإصلاح.

د. العيد بوعكاز