ما معنى أن يقول لك أحدهم وأنت في مناسبة عامة، أن الانتخابات لا تهمه وأنه على مدار 26 عاماً وهو في السويد لم يشارك بأي تصويت، وعندما يقودك الفضول لتسأله عن السبب يقول لك إن لديه عمل ومنزل وجنسية، ولا يريد شيئاً أكثر من ذلك.
أن يكتفي أحدنا بدور المتفرج لأن الأمر، كما يعتقد هو، لا يعنيه، تكاد تكون ظاهرة منتشرة خاصة في مجتمعاتنا التي أتينا منها، والأمثلة عديدة، فالحرب بين دولة وأخرى لا تعنينا لأننا لسنا طرف فيها، تماماً عندما تضرم النيران في البناية المقابلة لنا لا نشعر بخطرها إلا عندما تصل إلى غرفنا.
مثل هذا المتحدث المتفرج لا يعلم أن السياسة هنا تخص مرضه المفاجئ، أو أي حادث يمكن أن يحصل له ولعائلته، وأن السياسة هنا تتعلق بالمواصلات والتعليم ورعاية شيخوخته ومستقبل أولاده وأحفاده.
نعيش في السويد في ظل واحدة من أقوى الديمقراطيات في العالم. نتمتع بحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة والمعتقد والتنظيم، ونعيش في دولة تقوم على مؤسسات مستقلة، وفساد منخفض، وخدمات عامة متقدمة، ونظام سياسي يحدّ من احتكار السلطة. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يمنعنا من طرح سؤال أكثر صعوبة: هل يستفيد جميع من يعيشون في السويد من هذه الديمقراطية بالقدر نفسه؟
الإجابة، للأسف، هي: لا.
فبينما تسجل بعض الفئات والمناطق نسباً مرتفعة جداً في الانتخابات، تنخفض المشاركة في مناطق أخرى إلى مستويات مقلقة. ولا يمكن تفسير هذا التفاوت باللامبالاة وحدها، أو اختزاله في خلفيات السكان وأصولهم. فخلف الأرقام أسباب متداخلة، من بينها ضعف المعرفة بكيفية إدارة الدولة، وعدم إدراك أهمية الصوت الانتخابي، وانعدام الثقة بالسياسيين والمؤسسات، والشعور بأن القرارات تُتخذ بعيداً عن الناس ولا تعبّر عنهم.
الديمقراطية موجودة من الناحية القانونية، لكن القدرة على استخدامها موزعة بصورة غير متساوية.
قد يمتلك الإنسان حق التصويت، لكنه لا يعرف من يتخذ القرارات التي تؤثر في مدرسته أو سكنه أو رعايته الصحية. وقد تكون أمامه أبواب الأحزاب والجمعيات والنقابات، لكنه لا يشعر بأنها مفتوحة له فعلاً. وقد يكفل له القانون حرية التعبير، لكنه يفتقر إلى اللغة أو المعرفة أو الثقة التي تمكّنه من الدخول إلى النقاش العام.
لهذا السبب، فإن إجراء الحوارات السياسية باللغة العربية لا يعني عزل الناطقين بها عن المجتمع أو عن اللغة السويدية. على العكس، إتاحة المعلومات بلغة يفهمها الإنسان جيداً تساعده على معرفة المجتمع، وتمنحه فرصة المشاركة فيه، وقد تحفزه أيضاً على تطوير لغته السويدية. الاندماج لا يبدأ بحرمان الإنسان من المعرفة إلى أن يتقن اللغة، بل يبدأ بإعطائه مفاتيح فهم البلد الذي يعيش فيه.
الديمقراطية أكثر من صندوق اقتراع
نميل أحياناً إلى اختزال الديمقراطية في الانتخابات، مع أن التصويت ليس سوى واحدة من أدواتها. فالديمقراطية تعني أيضاً الانخراط في الأحزاب والجمعيات والنقابات، والتواصل مع البلديات والإعلام، والمشاركة في الحوار العام، واستخدام حق الحصول على المعلومات، ومساءلة المسؤولين، والمساهمة في إنتاج المعرفة بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.
كما أن الديمقراطية لا تتعلق بالحريات وحدها، بل تنعكس مباشرة على جودة حياتنا. حماية كرامة الإنسان، واستقلال المؤسسات، وانخفاض الفساد، والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية ليست أموراً منفصلة عن النظام الديمقراطي. إنها ثمرة مؤسسات قوية وخاضعة للمحاسبة، ونظام يقوم على مبدأ جوهري: لا ينبغي لأحد أن يمتلك القوة كلها.
لكن السويد ليست مدينة فاضلة، وديمقراطيتها ليست مضمونة إلى الأبد. فالديمقراطية ليست بناءً انتهى تشييده ثم دُعينا إلى السكن فيه، بل ممارسة يومية تضعف عندما يتوقف الناس عن المشاركة فيها. وقد يعيش جزء من السكان داخل مجتمع ديمقراطي، لكنه يبقى على هامشه، كأنه يسكن في غرفة معزولة داخل البناء نفسه.
لماذا تتراجع الثقة؟
يصعب مطالبة الناس بالمشاركة من دون التعامل بجدية مع أسباب ابتعادهم. فالخوف من المؤسسات، وانتشار الشائعات عن الخدمات الاجتماعية، والاعتقاد بأن الأطفال مهددون بالخطف أو بأن الأسرة مستهدفة في قيمها وهويتها، كلها عوامل تقوض الثقة بالدولة.
وحين لا يصل الإعلام إلى هذه الفئات، أو لا تتمكن هي من التواصل معه، تملأ وسائل التواصل الاجتماعي الفراغ. عندها تنتشر المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، ويصبح التمييز بين النقد المشروع والشائعة المصنوعة أكثر صعوبة.
في المقابل، يشعر كثيرون بأن الإعلام والسياسيين يتحدثون عنهم باستمرار، لكنهم نادراً ما يتحدثون معهم. وتزداد الفجوة عندما يُسمح لبعض أصوات اليمين الشعبوي بتقديم المسلمين أو المهاجرين بوصفهم مشكلة دائمة أو عدواً محتملاً للمجتمع.
ولكن مسؤولية معالجة الأزمة لا تقع على المؤسسات والإعلام والسياسيين وحدهم. علينا نحن أيضاً أن نسأل أنفسنا: هل نستخدم الأدوات المتاحة لإيصال أصواتنا؟ هل نشارك قبل اتخاذ القرارات، أم نتحرك فقط بعد أن تتحول إلى أخبار غاضبة على فيسبوك؟ هل نشجع أبناءنا على دخول الأحزاب والإعلام والمؤسسات، أم نحذرهم منها ثم نشتكي من ضعف تمثيلنا فيها؟
الديمقراطية ليست حقوقاً نطالب بها فقط، بل مسؤولية نقبل بها أيضاً. ولا يمكن أن نطالب بحرية الرأي والمعتقد لأنفسنا، ثم نرفض الحريات نفسها عندما يمارسها الآخرون.
في العودة إلى المتحدث نرجو أن يتخلى عن دور المتفرج ليشارك في نعيم الديمقراطية ويشعر بها.
محمود آغا