المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: في كل مرة يتجدد فيها النقاش السياسي في السويد حول الهجرة والاندماج، يتكرر المشهد ذاته: تصريحات حادة، مقترحات قوانين جديدة، واستقطاب سياسي يتصدر العناوين. ومؤخراً عاد الجدل بقوة بعد تصريحات زعيم حزب ديمقراطيي السويد جيمي أوكيسون حول تشديد شروط الاندماج، في وقت تعمل فيه حكومة أولف كريسترشون على مشاريع قوانين تتعلق بالجنسية واختبارات اللغة ومتطلبات الاندماج.
هذه النقاشات تبدو للوهلة الأولى جزءاً طبيعياً من السياسة العامة في أي دولة ديمقراطية. لكنها داخل مجتمع المهاجرين تنتج ظاهرة أقل وضوحاً، لكنها عميقة التأثير: ما يمكن تسميته بـ”التقية الاجتماعية”. ولا يُقصد هنا المفهوم الديني المعروف، بل سلوك اجتماعي يتعلمه الإنسان عندما يشعر أن التعبير الصريح عن رأيه قد يكلفه الكثير.
في العلن يبدو خطاب المهاجرين في السويد واضحاً ومنضبطاً: نحن ممتنون، نريد الاندماج، نحترم القوانين، ونسعى إلى النجاح. لكن في الجلسات الخاصة، في المقاهي العربية، أو في مجموعات التواصل الاجتماعي، يظهر خطاب آخر أكثر تعقيداً. حديث عن القلق من المستقبل، وشعور بأن قواعد النقاش السياسي حول الهجرة تتغير بسرعة، وتساؤلات صريحة حول ما إن كان المجتمع السويدي ما زال ينظر إلى المهاجرين باعتبارهم جزءاً من مستقبله.
هذه الازدواجية ليست بالضرورة نفاقاً أخلاقياً كما قد يعتقد البعض. في كثير من الأحيان هي استراتيجية بقاء.
فعندما تتحول الهجرة إلى القضية السياسية الأكثر حساسية في البلاد، يشعر كثير من المهاجرين أنهم يعيشون تحت مجهر دائم. كلمة واحدة قد تتحول إلى عنوان في وسائل الإعلام، أو إلى مثال يستخدمه طرف سياسي لتأكيد روايته المسبقة.
في مثل هذا المناخ يتعلم الناس بسرعة ما يسميه علماء الاجتماع “القول الآمن”، أي اختيار كلمات لا تثير الجدل أو المشاكل، حتى لو لم تعكس تماماً ما يفكر به الإنسان في داخله.
وهكذا تتشكل التقية الاجتماعية: خطاب رسمي منضبط في الفضاء العام، يقابله خطاب أكثر صراحة في الدوائر المغلقة.
الضحية هو المهاجر نفسه
في السنوات الأخيرة ظهرت ظاهرة رقمية تزيد المشهد تعقيداً. فبالتوازي مع هذا الخطاب الحذر في العلن، تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي حسابات وهمية أو شخصيات افتراضية تدّعي الحديث باسم المهاجرين. هذه الحسابات غالباً ما تتبنى خطاباً غاضباً ومشحوناً، يلامس مشاعر الإحباط أو القلق الموجودة لدى بعض المهاجرين، ويعيد صياغتها بلغة أكثر حدة واستفزازاً.
المفارقة أن مثل هذا الخطاب، الذي قد يبدو في البداية تعبيراً عن غضب داخل الجاليات، سرعان ما يجد طريقه إلى الفضاء السياسي والإعلامي. إذ تلتقطه أحياناً منصات أو ناشطون مرتبطون بالتيارات اليمينية ليُستخدم لاحقاً كدليل على فشل الاندماج، أو كحجة إضافية لتشديد السياسات تجاه المهاجرين.
وهكذا تتحول بعض هذه الأصوات الرقمية — سواء كانت حقيقية أو مصطنعة — إلى مادة في الحملات السياسية، تُستثمر لتعزيز السرديات التي تقول إن المجتمع متعدد الثقافات لا يعمل، وإن الحل يكمن في مزيد من التشدد في القوانين.
المفارقة هنا أن الضحية الأولى لهذه الحلقة هي المهاجر نفسه. فالغضب الذي يُضخَّم في الفضاء الرقمي يتحول في النهاية إلى مبرر لسياسات أكثر صرامة تجاهه.
لهذا فإن التقية الاجتماعية لا تعني فقط الصمت الحذر في الواقع، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بطريقة تشكل الخطاب في العالم الرقمي.
ومع ذلك، فإن المشكلة لا تكمن في الناس بقدر ما تكمن في المناخ العام. فعندما يشعر الإنسان أنه مراقب أو أن كلماته قد تُستخدم ضده، فإنه يتكيف مع الواقع بأشكال مختلفة: بالصمت أحياناً، أو بالحديث في الدوائر المغلقة، أو باللجوء إلى فضاءات رقمية يعتقد أنها أكثر أماناً.
لكن التقية الاجتماعية تحمل ثمناً خفياً. فهي تضعف النقاش الصريح داخل المجتمعات المهاجرة نفسها، وتخلق فجوة من عدم الثقة بينها وبين المجتمع الأكبر.
عندما يخاف الناس من قول ما يفكرون به، يتحول الحوار إلى تبادل عبارات آمنة. يبدو كل شيء هادئاً على السطح، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية تحت الماء.
لهذا السبب فإن الاندماج لا يقاس فقط بعدد الوظائف أو مستوى اللغة. الاندماج الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أنه يستطيع التعبير عن رأيه دون خوف من أن يُساء فهمه أو يُصنف مسبقاً.
المجتمعات القوية لا تحتاج إلى أقنعة كثيرة. أما المجتمعات التي يكثر فيها الصمت الحذر، فعليها أن تسأل نفسها سؤالاً بسيطاً: هل المشكلة في الناس… أم في المناخ الذي يجعل الصراحة مخاطرة؟
فاروق الدباغ