المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس

الكومبس – رأي: السمنة مرض مزمن معقّد ومتعدد العوامل يختلف في طبيعته من شخص إلى آخر. لكن النقاش الدائر حول السمنة غالباً ما يتسم بتبسيط مخلّ وبنقص في فهم مدى تعقيد هذا المرض. في هذا النص أحاول بإيجاز توضيح ما هي السمنة، وما الذي ليست عليه.

لمحة عامة عن السمنة

  1. السمنة ليست دليلاً على ضعف الشخصية أو نتيجة قرارات سيئة، بل هي مرض عصبي-بيولوجي معقّد. ويمكن تبسيطها على أنها خلل في تنظيم تخزين الطاقة في الجسم، ما يؤدي إلى تراكم مفرط للأنسجة الدهنية.

2. السمنة مرض مزمن، لا تختفي بعد بضعة أشهر من العلاج، تماماً كما أن ارتفاع ضغط الدم لا يختفي بعد بضعة أشهر من تناول الأدوية الخافضة للضغط.

3. السبب العام للسمنة يرتبط بالمجتمع الحديث بكل مكوناته المختلفة التي تتفاعل مع التركيبة الجينية للفرد. ولا يوجد تفسير بسيط لها مثل زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة أو قلة الحركة.

4. محاولة علاج السمنة بشكل فردي أمر صعب جداً، كما هو الحال مع محاولة علاج ارتفاع الدهون في الدم أو ضغط الدم دون متابعة طبية. وغالباً ما يتطلب الأمر متابعة طويلة الأمد مع الرعاية الصحية، وتشمل لدى كثيرين علاجاً دوائياً، ولدى بعض المرضى علاجاً جراحياً.

5. يجب أن يتم العلاج الدوائي تحت إشراف مختصين في الرعاية الصحية. ونظراً لمحدودية توفر الأدوية وعدم تغطيتها في كثير من الأحيان من قبل أنظمة الدعم الصحي، فإن الحصول عليها قد يكون مكلفاً وصعباً. لذلك يلجأ البعض إلى الإنترنت، الذي يعجّ بمنتجات ذات فعالية مشكوك فيها وقد تنطوي على مخاطر صحية واضحة.

6. محاولة علاج السمنة عبر النصيحة التقليدية “كل أقل وتحرك أكثر” لا تنجح إلا لدى نسبة صغيرة من المرضى الذين يعانون من شكل خفيف من السمنة. فالجسم يمتلك أنظمة عديدة تحافظ على الوزن، وعند تقليل السعرات الحرارية لفترة من الزمن يستجيب الجسم بخفض معدل الأيض وزيادة الشهية، ما يؤدي غالباً إلى عودة الوزن. أما محاولة “حرق” السمنة عبر الرياضة وحدها فهي شبه مستحيلة، رغم أن النشاط البدني يحمل فوائد صحية عديدة.

7. المحاولات المتكررة لإنقاص الوزن ثم استعادته لاحقاً، وهو ما يُعرف بحمية “اليويو”، قد تكون لدى كثيرين أسوأ للصحة من عدم محاولة إنقاص الوزن. ففي كل مرة يفقد فيها الشخص وزناً يخسر أيضاً جزءاً من الكتلة العضلية، بينما عند استعادة الوزن يكون ما يُكتسب في الغالب دهوناً. ومع مرور الوقت يؤدي ذلك إلى تدهور الصحة، لأن العضلات تلعب دوراً مهماً في الجسم يتجاوز مجرد الحركة.

8. العادات الصحية الجيدة مثل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والنوم الجيد، وإدارة التوتر مفيدة للجميع بغض النظر عن الحالة الصحية، وليست مرتبطة بالسمنة وحدها. ولا يوجد تعارض بين اتباع نمط حياة صحي والعلاج الدوائي، بل إنهما يكملان بعضهما لتحقيق نتائج أفضل.

ما هي السمنة؟

ببساطة، السمنة هي حالة يخزن فيها الجسم كمية من الدهون أكثر مما يحتاجه ليعمل بشكل طبيعي. ويصبح الجسم أقل قدرة على “الإحساس” بكمية الطاقة المخزنة فيه.

زيادة الوزن تؤدي إلى زيادة الحمل على المفاصل بشكل غير صحي، ما قد يسبب آلام المفاصل ويحد من القدرة على الحركة، كما تزيد العبء على القلب. وقد يؤدي تراكم الدهون إلى تخزينها في أنسجة لا ينبغي أن توجد فيها، مثل الكبد أو البنكرياس، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض أخرى.

بمعنى آخر، السمنة هي إما زيادة في كمية الدهون في الجسم، أو وجود الدهون في أماكن غير مناسبة.

كيف يتم تشخيص السمنة؟

عادة ما يتم تشخيص السمنة باستخدام مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وهو ناتج قسمة الوزن على مربع الطول. ويُعرّف الشخص بأنه مصاب بالسمنة عندما يتجاوز المؤشر 30 كغ/م².

ورغم الانتقادات الكثيرة لمؤشر كتلة الجسم، فإنه ما يزال مقياساً مفيداً لتقدير مخاطر آلام المفاصل وضعف وظائف القلب.

ويُفضّل أن يُستكمل هذا المؤشر بفحوصات أخرى للحصول على صورة أكثر شمولاً. ومن المقاييس الشائعة نسبة محيط الخصر إلى الطول. فإذا كان محيط الخصر أكثر من نصف الطول، فهذا يدل على سمنة في منطقة البطن، أي تراكم غير صحي للدهون حول الأعضاء الداخلية مثل الكبد والكلى.

كما ينبغي تقييم عوامل الخطر الأخرى مثل ضغط الدم ومستوى السكر والدهون في الدم، إضافة إلى الظروف الحياتية العامة للمريض. فالتشخيص واختيار العلاج يتطلبان النظر إلى الصورة الصحية الكاملة للشخص.

ما الذي يقف وراء تزايد السمنة؟

بدأ انتشار السمنة في الارتفاع منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وغالباً ما يُعزى ذلك بشكل خاطئ إلى تغير العادات الغذائية وقلة الحركة فقط.

لكن الواقع أن كثيراً من العوامل الأخرى في المجتمع الحديث تغيّرت أيضاً خلال العقود الماضية، مثل أنماط النوم، وظروف العمل، والتفاعلات الاجتماعية، والتعرض للمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة، وأنواع العدوى والأمراض، واستخدام الأدوية، وأنماط السكن وغيرها.

وبالتالي فإن السبب العام للسمنة، مثل أمراض مزمنة أخرى كداء السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم، يكمن في تفاعل المجتمع الحديث بكل مكوناته مع الاستعدادات الجينية للفرد.

هل يمكن الوقاية من السمنة؟

بما أن السمنة إلى حد كبير نتيجة لظروف المجتمع الحديث، فإن الوقاية منها أمر صعب، كما هو الحال مع كثير من الأمراض الشائعة.

وقد ركزت معظم الإجراءات الوقائية التي جرى اختبارها على الغذاء والنشاط البدني، لكنها لم تُظهر تأثيراً كبيراً في الحد من انتشار السمنة. بل إن بعض هذه الإجراءات ساهمت في تعزيز التصورات الخاطئة التي تربط السمنة بالاختيارات الشخصية فقط.

وتجري حالياً أبحاث حول ما يُعرف بالتدخلات الشاملة على مستوى النظام، أي تنفيذ عدة إجراءات متزامنة في المجتمع. لكن النتائج ما تزال بحاجة إلى وقت.

ومن المهم التدخل مبكراً في مسار المرض، قبل أن يصل الوزن أو محيط الخصر إلى مستويات تسبب مشكلات صحية كبيرة. ففي هذه المرحلة قد تكون الإجراءات البسيطة نسبياً قادرة على إبطاء تطور المشكلة.

ماذا يمكن أن يفعل المريض؟

  1. إذا كنت أنت أو غيرك تشكّون في إصابتك بالسمنة، أو كنت تعاني من مشكلات صحية قد تكون مرتبطة بالوزن، فاستشر الرعاية الصحية. ولا تحاول علاج نفسك بالأدوية أو المستحضرات من دون إشراف طبي.
  2. راجع الإجراءات العامة التي يمكن أن تحسن صحتك، حتى لو لم تؤثر كثيراً في الوزن. ومن الأمثلة:

النشاط البدني اليومي:

حتى التغييرات الصغيرة يمكن أن تحسن الصحة بشكل ملحوظ. كن واقعياً وراعِ ظروف حياتك. فالنشاط البدني يمكن أن يأخذ أشكالاً عديدة ولا يحتاج بالضرورة إلى وقت طويل أو معدات خاصة. الأهم أن يتم بانتظام ومن دون التسبب بإصابات.

عادات غذائية جيدة:

معظم الناس لديهم فكرة عامة عن نوع الطعام الصحي، لكن التحدي غالباً يكون في تطبيق هذه المعرفة عملياً. لذلك يجب تكييف العادات الغذائية مع ظروف الحياة. فالعاملون بنظام المناوبات أو سائقو الشاحنات أو الآباء والأمهات لأطفال صغار مثلاً يحتاجون إلى حلول تناسب ظروفهم.

نوم جيد:

الحصول على نوم منتظم وغير متقطع لمدة تقارب 7–9 ساعات في غرفة مظلمة وهادئة. ولا تتردد في طلب المساعدة إذا كنت تعاني من مشكلات في النوم.

صحة نفسية جيدة:

غالباً ما تترافق السمنة مع الاكتئاب أو القلق، ويجب علاج هذه الحالات بالتوازي. كما ينبغي مناقشة الأدوية المستخدمة، إذ إن بعض الأدوية النفسية قد يؤدي إلى زيادة الوزن. وتشمل الصحة النفسية أيضاً وجود علاقات اجتماعية جيدة.

  1. ركّز على الأمور التي يمكنك التأثير فيها، بدلاً من التركيز على العوامل التي يصعب تغييرها مثل ظروف العمل أو البيئة المحيطة.

قد يبدو هذا النص متشائماً بعض الشيء، وكأن الاحتياجات لا نهاية لها. لكن المعرفة حول السمنة تطورت كثيراً في السنوات الأخيرة، كما تتوافر باستمرار أدوات علاجية جديدة.

وهذا يساهم أيضاً في تحسين طريقة تعامل المجتمع مع الأشخاص الذين يعانون من السمنة. ورغم أن التحديات ما تزال كبيرة، فإن من الممكن البدء تدريجياً في تقليص الفجوة في الرعاية والعلاج.

أولف هولمبيك

أستاذ مشارك في التغذية السريرية والتمثيل الغذائي في قسم الصحة العامة وعلوم الرعاية بجامعة أوبسالا. عمل باحثاً وأستاذاً جامعياً في مجال التغذية والسمنة لما يقارب 30 عاماً، كما عمل خلال السنوات العشر الأخيرة في مجال تطوير الأدوية.

ملاحظة: المقال مترجم عن اللغة السويدية

لمن يرغب في القراءة أكثر

جمعية المرضى “السمنة في السويد”:

معلومات تمهيدية من مجلس الصحة والرعاية الاجتماعية في السويد حول السمنة للمرضى:

المنظمة الأوروبية للتعاون في أبحاث السمنة:

منظمة Obesity Canada التي تُعد مرجعاً في إرشادات العلاج: