كان الفرق بين الديمقراطيات الغربية والديمقراطيات الشكلية في دول أخرى واضحاً دائماً. يوجد دول تختزل العملية الديمقراطية بصناديق الاقتراع، وبمجالس نيابية صورية، فيما تتباهى الدول الغربية بوجود ديمقراطية راسخة، من خلال مؤسسات قوية، ودولة قانون، إضافة إلى ثقافة شعبية تنتج أعرافاً وقوانين غير مكتوبة. ولكن يظهر الآن خطر كبير على الديمقراطية وعلى دولة القانون في السويد.

ما يجري حالياً في السويد من “سلق” سريع لقوانين يصفها البعض بأنها “تعسفية”، يعيد إلى الأذهان نماذج ديمقراطيات في دول يطلق عليها “العالم الثالث”. وهذا ما حذرت منه 33 شخصية قانونية، بينهم أساتذة جامعات وقضاة سابقون في المحكمة العليا، من خلال مقال نُشر في صحيفة DN الأسبوع الماضي، تحت عنوان: حقوقيون يقرعون جرس الإنذار: أوقفوا تفكك دولة القانون.

كما هو متوقع، تسابق الحكومة السويدية الزمن حالياً لإقرار حزمة من القوانين المتعلقة بالهجرة والاندماج والجنسية قبل انتخابات سبتمبر المقبلة. هذا السباق المحموم أدى إلى رفض اعتراضات قانونية راسخة بشكل منهجي، عبر وصف هذه الاعتراضات بأنها “نشاط مُسيّس” أو مجرد “آراء”.

آليات شكلية؟

دعونا أولاً نراجع باختصار كيف تُصنع القوانين في السويد.

تقليدياً، تمر القوانين بعدة مراحل قبل إقرارها من البرلمان، أعلى سلطة تشريعية في البلاد. والهدف من هذه المراحل هو ضمان جودة التشريعات وعدم تعارضها مع القوانين القائمة.

تبدأ العملية بتكليف لجنة تحقيق (Utredning) مستقلة لدراسة المقترحات من مختلف الجوانب، بما في ذلك تأثيره على الحقوق والحريات. بعدها، يُحال التقرير إلى مرحلة الاستشارة (Remiss)، حيث تُبدي جهات متعددة، مثل المحاكم والجامعات والهيئات الرسمية، آراءها، وغالباً ما تتضمن هذه الآراء تحذيرات قانونية مبنية على مبادئ راسخة.

وبناءً على هذه الملاحظات، يتحول المقترح إلى مشروع قانون Proposition نهائي تعدّه الحكومة، ويُحال في كثير من الحالات إلى مجلس القانون (Lagrådet)، وهو هيئة مستقلة تضم قضاة من المحكمة العليا لمراجعته قانونياً. ورغم أن رأي هذا المجلس استشاري، فإنه يتمتع بثقل كبير في التقاليد القانونية السويدية. في المرحلة الأخيرة، يناقش البرلمان المشروع ويصوّت عليه، وفي حال إقراره، يدخل حيّز التنفيذ في التاريخ المحدد له.

هذه الآليات لا تزال قائمة شكلياً، لكن دورها الفعلي يتراجع الآن، بحسب مقال الحقوقيين، الذين يشيرون إلى تقصير فترات التحقيق والاستشارة، وتوجيه بعض اللجان بما يتماشى أكثر مع الأجندة السياسية، إضافة إلى تجاهل أو التقليل من شأن الانتقادات والاعتراضات القانونية الصادرة عن الجهات المختصة أو عن مجلس القانون.

هذه الاعتراضات كانت جزءاً جوهرياً من عملية التشريع، لكنها باتت اليوم تُوصَف أحيانًا بأنها مجرد “نشاط مُسيّس” أو “آراء”، رغم استنادها إلى مبادئ أساسية، مثل حظر تنفيذ القوانين بأثر رجعي وضمان المساواة للجميع أمام القانون. وهذا ما نقصده بـ”سلق القوانين”.

وكما نتابع، يجري حالياً تمرير قوانين مرتبطة بالهجرة والجنسية بوتيرة متسارعة. مثل إمكانية سحب تصاريح الإقامة الدائمة التي سبق منحها، واستخدام مفاهيم مرنة بأثر رجعي تتعلق بمبدأ “حسن السلوك” في قوانين الجنسية والهجرة. إضافة إلى مشاريع قوانين أخرى على الطريق.

القانونيون لفتوا إلى أن نتائج هذه السياسات بدأت تظهر في قضايا ترحيل طالت أطفالاً وشباباً. إلى جانب الشعور بعدم الأمان المجتمعي لأشخاص وعائلات عديدة.

أغلبية هشة

بعض أصوات من الحكومة والحزب الداعم يبررون هذا المسار بأنه تنفيذ لإرادة الشعب، لأن لديهم 3 مقاعد أكثر من المعارضة في البرلمان الحالي، ولكن مع وجود تسعة نواب مستقلين تصبح هذه الأغلبية هشة إضافة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر تراجعاً ملحوظاً في شعبية أحزاب تيدو الحاكمة والداعمة.

القانونيون في مقال DN ردّوا على طرح “تنفيذ إرادة الشعب” بالقول إن الديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية بشكل مطلق. فذلك تبسيط خطير، خصوصاً في ظل تراجع دولة القانون في عدة دول، مؤكدين أن السويد ليست بمنأى عن هذا المسار.

نعم، الديمقراطية لا تعني فقط حكم الأغلبية، خصوصاً عندما تكون هذه الأغلبية هشة. فالديمقراطية تقوم أيضًا على مؤسسات وضوابط تضمن حماية الأفراد من التعسف، حتى في أوقات التغيير السياسي السريع.

كما أن الديمقراطية ودولة القانون مترابطتان بشكل وثيق، بحيث يؤدي تآكل إحداهما إلى إضعاف الأخرى. وهنا يحذّر الموقعون بوضوح: نحن أمام خطرين في آن واحد، خطر على القانون السويدي، وخطر على الديمقراطية السويدية.

ولكن وفي النهاية، الجميع مسؤولون أيضاً عن حماية دولة القانون والدفاع عن الديمقراطية السويدية، على الأقل من خلال فهم ما يحدث من حولنا وزيادة الوعي، والمشاركة المجتمعية، وعدم التعامل مع هذه التحولات وكأنها أمور لا تعنينا.

محمود آغا

مراحل إقرار القوانين في السويد

Utredning – التحقيق أو الدراسة
تبدأ العملية غالباً بتعيين لجنة أو خبير حكومي لدراسة قضية معينة واقتراح قانون جديد أو تعديل قانون قائم.
Remiss – إرسال المقترح للجهات
يتم إرسال المقترح إلى البلديات والهيئات والمنظمات والجامعات وغيرها لإبداء آرائهم وملاحظاتهم.
Proposition – مشروع قانون
بعد دراسة الملاحظات، تكتب الحكومة مشروع القانون النهائي وتقدمه إلى البرلمان السويدي (الريكسداغ).
Riksdagsutskott – دراسة المشروع في لجنة برلمانية
تقوم لجنة متخصصة داخل البرلمان بمراجعة المشروع واقتراح الموافقة عليه أو تعديله أو رفضه.
Omröstning i riksdagen – التصويت في البرلمان
يصوت أعضاء البرلمان على المشروع، وإذا حصل على أغلبية الأصوات يصبح قانوناً.
Utfärdande och publicering – إصدار القانون ونشره
تنشر الحكومة القانون في الجريدة الرسمية السويدية ويُحدد موعد دخوله حيز التنفيذ.
Lagen träder i kraft – دخول القانون حيز التطبيق
يبدأ تطبيق القانون رسمياً في التاريخ المحدد.