المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن رأي الكومبس
الكومبس – رأي: ليست أزمة السويد اليوم أزمة جريمة فقط، ولا أزمة هجرة فقط، ولا حتى أزمة اندماج. إنها قبل كل شيء أزمة إيقاع: مجتمع تغيّر أسرع بكثير مما استطاعت سياسته، ومؤسساته، وخياله الجماعي أن يحتمل. الديموغرافيا سبقت السياسة، والواقع سبق الخطاب، والنتيجة ارتباك وطني لا تزال البلاد تحاول تسميته.
خلال أقل من قرن، انتقلت السويد من أحد أكثر المجتمعات تجانسًا في أوروبا إلى واحد من أكثرها تنوعًا. هذا التحول لم يكن ثمرة نقاش مجتمعي عميق، ولا نتيجة توافق سياسي طويل الأمد، بل مسارًا متسارعًا فُرض تدريجيًا حتى أصبح واقعًا لا رجعة فيه. السؤال الذي لم يُطرح في الوقت المناسب هو: هل المجتمع مستعد؟ وهل الدولة قادرة؟
في مطلع القرن العشرين، لم تتجاوز نسبة السكان ذوي الخلفية الأجنبية 1%. كان التجانس آنذاك جزءًا من الفكرة السويدية عن الدولة الحديثة: الاستقرار، الثقة المتبادلة، ونموذج رفاه يقوم على تشابه واسع في القيم والسلوك. لم يكن هذا النموذج بريئًا أو مثاليًا، لكنه كان متماسكًا.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ هذا التماسك يتصدع، لا بدافع أيديولوجي، بل بدافع اقتصادي. احتاجت السويد إلى أيدٍ عاملة، ففُتحت الأبواب، وارتفعت نسبة السكان ذوي الخلفية الأجنبية إلى 4% عام 1950، ثم 6% في 1960، و10.6% في 1970. حتى هنا، بدا التحول مضبوطًا، ومفهومًا، وقابلًا للإدارة.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد استمرار، بل قفزة. منذ السبعينيات، تحوّلت الهجرة من أداة اقتصادية إلى مشروع أخلاقي–سياسي، توسّع دون أن تُعاد صياغة شروطه. بحلول 1980 تجاوزت النسبة 13%، ثم 16% في 1990، و21% في 2002، وصولًا إلى 30.1% في 2016، و35.4% في 2024. لم يعد الأمر “تنوّعًا”، بل إعادة تركيب كاملة للمجتمع خلال جيلين فقط.
هذا التحول لم يكن متوازنًا جغرافيًا ولا اجتماعيًا. المدن الكبرى تحمّلت العبء الأكبر: في مالمو، بات ستة من كل عشرة سكان من ذوي الخلفية الأجنبية، وفي ستوكهولم وغوتنبرغ اقتربت النسبة من النصف. في المقابل، بقيت مناطق واسعة من الريف على حالها تقريبًا. هكذا نشأت سويدان: واحدة تعيش التعددية يوميًا، وأخرى تناقشها نظريًا وبقلق.
السياسة لم تواكب هذا الانقسام، بل تجاهلته طويلًا. رُفع شعار الانفتاح دون استثمار كافٍ في الاندماج، وتُركت المدارس، والأحياء، وسوق العمل تتكيّف وحدها مع واقع جديد. ومع الوقت، لم تُقرأ الفوارق بوصفها فشلًا بنيويًا، بل أُعيد تأطيرها ثقافيًا وهوياتيًا. هنا بدأ الخلل الحقيقي.
المفارقة أن السويد، التي طالما قُدّمت كنموذج عالمي للتسامح، بدأت تفقد ثقتها بنفسها. التعددية التي كانت تُحتفى بها أخلاقيًا، أصبحت تُناقش أمنيًا. السؤال لم يعد: كيف نبني مجتمعًا متنوعًا؟ بل: هل تجاوزنا حدّ القدرة على الاحتمال؟ هذا التحول في السؤال هو بحد ذاته اعتراف متأخر بأن شيئًا ما لم يُدار كما يجب.
لم يكن الخطأ في التنوّع ذاته، بل في السرعة، وفي وهم أن النوايا الحسنة تكفي، وأن المجتمع سيتكيّف تلقائيًا. اليوم، لم تعد النقاشات في السويد حول أرقام الهجرة فقط، بل حول تعريف الأمة، وحدود الانتماء، ومعنى الدولة الاجتماعية في مجتمع لم يعد متشابهًا كما كان.
السويد تقف الآن أمام حقيقة غير مريحة: الواقع الديمغرافي لا يمكن التراجع عنه، لكن تجاهله أو تبسيطه لم يعد خيارًا. إما مواجهة الأسئلة الصعبة بوضوح وعدالة، أو ترك الفراغ ليملأه الخوف، والشعبوية، وسياسات الانغلاق. ما يحدث اليوم ليس انحرافًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل تغيّر فيه المجتمع أسرع مما احتملت روايته عن نفسه.
د. العيد بوعكاز